تختصر نظرات فايز وزوجته وأولاده الأربعة، الذين لا يزيد عمر أكبرهم على 15 عاماً، درجة القهر والعوز والحاجة التي خلفتها العواصف وموجات الصقيع المتتالية على المزروعات في سهل عكار في محافظة طرطوس. يتحدث فايز إلى «الأخبار» عن الواقع المرير الذي يعانيه أبناء السهل: «لقد خسرنا كل شيء. العواصف دمرت كل البيوت الزراعية البلاستيكية، ليأتي الصقيع ويجهز على ما تبقى لنا من المزروعات «برّا» (الزراعة غير المحمية كالبصل والبقدونس والفجل وكافة أنواع الحشائش)».


يؤكد حسام، الأربعيني، ما قاله فايز، مضيفاً: «رغم استخدام كل أساليب الوقاية، من تدفئة أو رش المياه بالرذاذ، لم نستطع السيطرة على الموقف، وتحول لون المزروعات الأخضر إلى أسود بعد بزوغ الشمس». ويبدو، بحسب حسام، أن المشكلة لا تقف عند هذا الحد، «فالطامة الكبرى أننا مدينون لتجار المواد الزراعية، فنحن نزرع بالدين، إضافة إلى ديوننا للمصرف الزراعي التعاوني».
في قرية رأس الخشوفة، التي تبعد نحو 15 كلم عن مدينة طرطوس، باتجاه الجنوب الغربي، جلسنا مع مجموعة من فلاحي القرية صباح العاصفة المسمّاة «زينة». هنا لا يحتاج المرء إلى عرافين. فالوجوه تحكي بوضوح كل شيء، وتختصر «صدمة» الخسائر الكبيرة، بعد أن دمرت العاصفة كل شيء في القرية.
بالأرقام، تحصي وزارة الزراعة حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي جراء الظروف الجوية، لا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس. فبحسب مدير صندوق «الحد من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية» محمد الحريري، فقد وصل عدد البيوت الزراعية المتضررة «إلى نحو 25.4 ألف بيت بلاستيكي، وتوزعت الأضرار بين التلف الكامل أو الجزئي للمحصول، وأضرار في الهيكل المعدني، وفي الغطاء البلاستيكي». ويشير الحريري، في حديثه مع «الأخبار»، إلى أن «الصندوق قدّر عدد مزارعي الحمضيات المتضررين في الساحل السوري بنحو 29552 مزارعاً، بينما أتلفت الطبيعة 1220 خلية نحل في محافظات حماة وطرطوس واللاذقية». أما بالنسبة إلى المحافظات الأخرى، فإن «الصقيع أثّر في مساحات محددة لبعض أصناف الزيتون في محافظة السويداء، لكنها لا تصل الى مرحلة التعويض. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأضرار في محافظة ريف دمشق. أما في المنطقة الشرقية، فإن أضرار القمح كانت بفعل الحشرات، وهذه الأضرار أيضاً لا ترتقي إلى مستوى التعويض»، وذلك تبعاً لنظام صندوق التعويض عن الكوارث الطبيعية، باعتبارها تشكل أقل من 5% من مساحة الوحدة الإدارية التي يقع فيها الضرر.


التجربة الهندية متميّزة في مجال التعويضات الزراعية المحصورة بالحكومة

وما يزيد طين المزارعين «بلة» أن نظام «صندوق التعويض الزراعي» لا يمنح سوى تعويضات قليلة جداً، إذ لا تتجاوز قيمة التعويضات نسبة 5% من الضرر البالغ 50%، ونسبة 10% من الضرر البالغ 100%، الأمر الذي يعني استمرار معاناة المزارعين المتضررين، خاصة أن أضرار العواصف والسيول أصبحت بمنزلة قدر سنوي لا مفر منه. وتكشف البيانات المتعلقة بحجم الأضرار، ومحدودية مظلة التعويضات، مدى الحاجة إلى مشروع وطني يعنى بالتأمين الزراعي، في بلد يوصف اقتصاده بأنه «زراعي» في المقام الأول. ويوضح مدير الدراسات والمخاطر، في هيئة الإشراف على التأمين، الدكتور رافد محمد، أنه إلى اليوم «لا يوجد أي منتج تأمين زراعي لدى شركات التأمين السورية». ويعتقد «أن تطبيق التأمين الزراعي في سوريا أمر بالغ الضرورة، في ظل الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها المزارعون في حالات الجفاف أو الصقيع أو غيرهما من الكوارث الطبيعية، وإمكانية تحمّل الحكومة لمبالغ ضخمة في حال قررت التعويض عن هذه الخسائر، عدا عمّا تسببه تلك الخسائر من خطر على الأمن الغذائي بشكل عام».
ويحدد محمد، في حديثه إلى «الأخبار»، الأسباب التي جعلت شركات التأمين السورية تحجم عن طرح منتج تأميني زراعي، منها «خطورته، وعدم توافر قواعد البيانات اللازمة لإطلاقه». وفي ضوء ذلك، يقترح «إمكانية إنشاء صندوق للتأمين الزراعي، تديره الحكومة، وتصبّ فيه جميع أقساط التأمين التي يسددها المزارع، إضافة إلى إمكانية مساهمة الجهات الحكومية في هذا الصندوق، في المرحلة الأولى لإحداثه، كالاتحاد العام للفلاحين أو المصرف الزراعي، بحيث يمكن لهذا الصندوق إجراء إعادة تأمين للأخطار التي يقبلها لدى شركات إعادة التأمين. وهنا يمكن اعتبار شركات التأمين المحلية والمؤسسة العامة السورية للتأمين بمثابة معيدي تأمين لهذه الأخطار، وبما يتناسب مع قدراتها وملاءتها المالية، ورغبتها في دخول هذا المجال».
ولا يمانع المنادون بتنفيذ مشروع التأمين الزراعي إمكانية «الاستفادة من تجارب الدول المتميزة في هذا المجال. وتعتبر التجربة الهندية في التأمين الزراعي من أعرق وأفضل التجارب في العالم، حيث إن هذا النوع من التأمين محصور بالحكومة فقط، وقد بدأ العمل به منذ عام 1948، ويشمل مخاطر محددة هي: الأمراض، الجفاف، الفيضانات، الحرائق، العواصف، والصواعق». وهذا سيكون كفيلاً بتجاوز ثغر مشروع الحكومة المتمثل في صندوق التعويض الزراعي. فهي «حاولت تطبيق ما يشبه التأمين الزراعي، في بعض جوانب عمله، من خلال إحداث صندوق التخفيف من الكوارث الطبيعية، وكان من المفيد تطبيق ومراعاة قواعد التأمين في إحداث هذا الصندوق، بهدف جعله أكثر فعالية، من ناحية تغطية أفضل للخسائر الواقعة، وكذلك من ناحية حمايته من الخسارة أو الإفلاس في الوقت ذاته».