لم تعد رحلة الموت مؤلمة كما كانت قبل سنوات، ولم يعد الشهيد حرفاً في لغة جديدة تنفع الشعراء في كتابة قصيدة رثاء وازنة يُعرف من خلالها الميت، ويُذكر إذ تذكر القصيدة. لكن الراحلين باتوا كثراً في زمننا الجديد. كثر الراحلون، ولم يعد بوسع القلب أن يحتمل، يرحلون، ويرحلون، وجروح بالقلب تنبلج عن حرقة وألم، وآثام لن نقدر على غفرانها خلال وقت قريب.

الربيع الذي كان أملا للعرب، بات خريفاً في القلب والذاكرة، ودم الشهداء من هنا وهناك، بات عبئاً أخلاقياً على من بقي منا حيا. لا نفع من محاولات الرثاء ولا البكاء.

هُزمنا، بعد هزيمة الآباء والأجداد. هم هزموا في النكبة وما سموها النكسة، وها هي الهزيمة تتجدد فينا اليوم داخل مدننا وقرانا، وبين أزقتنا؛ والقتلى شهداء برصاص ضل طريقه.
بعد كل ما حصل، بتنا نحن الأحياء عبئاً على الموت والحياة. فلا نحن نحن، ولا الميت ميت. ومحاولات رثاء الموتى، ليست أكثر من قيمة فائضة على الموت، لا تغني ولا تسمن من جوع، كما أفعل الآن تماماً. ومظفر النواب حين كتب "أيهمُ الميت أن القبر يزخرف أم تكترث الماعز للحقل اذا حضر الذبح؟"، ربما كتبها لأمثالي من المتفذلكين المبتعدين عن "المواجهة". لأنه يعرف أن عبارات من قبيل ذكر المناقب لا تنفع إلا صاحبها (مثلي) حين يحاول أن يكتب ليرضي ضميره المتعب.
لا أعرف صدق الأقاويل عن أن الموتى يسمعوننا! إذ أني لا أعرف إن كانوا يتابعون مجريات حياتنا بعد حروب عدة، ونكبات متعددة لن يكون آخرها مخيم اليرموك وما حل به وبأهله.
لست أعرف إن كانوا يشعرون بأحلامنا الجميلة وقد احتُلت. لا أعرف. وربما ليس من المهم أن أعرف أو نعرف. ليس مهماً، إذ يكفيهم الضجر، والألم على دمهم الذي ما رد ذرة تراب من الأراضي المحتلة، يكفيهم كون قادتهم صاروا يركبون "المرسيدس"، ويأكلون في المطاعم الأميركية، ثمناً للدم. دم الشهداء.
لا أعرف شيئاً. لكنني أدرك أن الموتى كانوا يرسمون التفاصيل الصغيرة لموتهم، دون أن يدركوا أنهم يفعلون. كان بعضهم يحلم بمعركة مع الاحتلال الإسرائيلي، يردي فيها العديد من الجنود قتلى، وبندقيته تزغرد رصاصاً مع قتيل إسرائيلي جديد. كان بعض آخر يرى أنه باحث في شؤون السياسة، وهو مناضل في موقعه، بعضنا كان يحلم بالقصيدة والمسرح واللوحة. بعضنا استشهد. بعضنا غاب أو غيب. بعضنا الآن يكتب.
في الحقيقة كنا بحاجة إلى التجربة، لنعرف من منا الشهيد، لأننا لا بد أن نكون شهداء، ولا بد أن يبقى بعضنا ليكتب عنا، وليذكر أن من رحلوا كانوا جميلين، لا بل جميلين جداً... وما أصعب الكتابة عن هؤلاء. كنا نتفلسف ونتلاعب بالكلام داخل المخيم، وكنا نغني، وكنا... ولكن لم نعرف يوماً مدى حقيقتنا حين كنا نقول إننا استثناء، ونموت معاً لأجل "القضية"!
لكن، أي قضية تحديداً؟ سؤال بات ملحاحاً في الآونة الأخيرة، وغزوه لعقلي جعلني أدمن التفكر والتفكير فيه.
هل القضية هي حقاً الضفة وغزة وعودة اللاجئين؟ أم مخيمات سوريا؟ أم القهر في مخيمات لبنان؟ أم... أم...؟
كلنا نقول البوصلة دوماً تتجه إلى فلسطين، ولكن أيّ فلسطين؟
في الكلام بعض الطيش اللغوي، ولكنه وعي شباب عربي جديد، لم تضع بوصلته ولكنه تاه في زحام الشارع العربي.