كانت جدتي سودة تكره يوم الأرض. لا يمكنني نسيان صراخها الذي علا في دار سيدي يوم اخبرتها امي ان احدى الجمعيات قادمة لزيارتها.

في الحقيقة، كانت جمعية خيرية في المخيم، تطوعت فيها اختي للعمل مع اجانب حول مواضيع محددة، تتضمن مقابلات مع "ختايرة" المخيم. وكان يوم الارض هو محور العمل حينذاك. جاءت اختي- فخورة بنفسها- سعيدة بكونها حفيدة هذا البيت، بيت جدي.

اعتقدت ان الاهل سيرحبون بالأجانب ويفرحون بها كونها تتحدث الانكليزية جيداً، كانت النية "الإبهار". لكن ما ان اقتربت من الباب الحديدي للدار، حتى سمعت صراخ جدتي متراشقاً كطلقات سلاحٍ حربي. وما زاد الطين بلة كما يقال، خروج جدي مهرولاً نحو الباب، حاملاً عكازه الخشبية، يلوح بها للأعلى شاتماً كل ما يتعلق بهذا المشروع! شتائم جدي وجدتي لم تستثنِ أحداً أو شيئاً. "انقلعوا من هون، ابوكو ع ابو اللي جابكم! يا ماليت الجدرة منك الو. جايبيتلنا يهود يشلحونا البيت ويتظحكو علينا. اسا بتشوفي عند أبوكي! وصلتونا لهون يا ولاد الكلب واسا بدكو تشفقوا علينا!".
أطلت سودة من غرفتها، ولأول مرة في حياتنا، نراها تتشارك الرأي والكلام مع جدي (فهما لم يتحدثا طوال الستين سنة التي قضياها متزوجين، إلا خجلاً من كلام الناس). أخذت "تردح" وتقول لجدي: "مفكرين حالهم مناح، يا حرام جايين يسألونا عن الأرض وعاملين يوم للأرض. شو يعني يوم الأرض آه؟ يوم كنا نزرع أرضنا بكويكات ونحصد هالزيتون ونعصره ونعمل مونة ونبيع الزيت، كانت الأرض كل يوم من حياتنا. وقت اللي عمرنا غرفة ببيت أهلك لنتجوز واشترينا بقرة، كانت الأرض كل شي بحياتنا. يعني كيف يكون في يوم الارض؟ العكاريت أخدوا الأرض زي ما هيي وجايين يحكولنا انو لازم نفرح وندبك بيوم الأرض. عقبال ما ندبك على قبرهم يوم اللي نرجع!".
أمسكت أمي بأختي، وأخرجتها من الدار مع ضيوفها معتذرة عن ذلك الموقف. لكن جديَّ لم يستريحا لساعات طويلة بعد الحادثة، بل أخبرا المخيم كله في سهرات المساء، حيث بقيت تلك الحادثة موضوعهما الوحيد لأسابيع!