بالكاد تتناهى إلى مسامع السوريين هذه الأيام أخبار عن بعض جرائم الثأر والشرف والقتل الجنائي وحوادث السير، التي دون شك لا تزال تحافظ على وجودها في مسرح الحياة السورية، لكن فظائع ما تسجله يوميات الأزمة، وشيوع أنواع أخرى من الجرائم المرتبطة بالحرب والمستفيدة من إفرازاتها، غيّرا من طبيعة ما يتناقله الشارع وهواجسه، لتصبح الأولوية للجرائم ذات البعد الاقتصادي... وما أكثرها حالياً: من التزوير الهائل، إلى سرقة المنشآت والموارد الاقتصادية، والاحتكار والسوق السوداء، الاحتيال والاختلاس، التهريب، المتاجرة بالأعضاء البشرية، الخطف والابتزاز... وغيرها.


فالفوضى بأشكالها المختلفة، وانخراط الكثيرين في أنشطة اقتصادية «عنفية»، ساهما في زيادة وتيرة ممارسة الجرائم الاقتصادية التقليدية، وظهور أنواع جديدة وغريبة على المجتمع السوري. وبحسب ما يرى الدكتور غسان طيارة وزير الصناعة السابق، فإن «الأزمة التي تعصف بسوريا أدت إلى زيادة الوزن النوعي لجرائم اقتصادية جديدة قديمة في مقدمتها: المضاربات الكبيرة التي تحدث في أسعار صرف الدولار، الغلاء الفاحش في أسعار مستلزمات معيشة المواطن، الذي خرج عن سيطرة الحكومة، الغش في تصنيع المواد الغذائية، التزوير في وثائق رسمية، تهريب مخصصات التموين من مراكز التوزيع لبيعها في السوق السوداء». ويضيف في حديثه لـ «الأخبار»: هذا لا يعني أن الرشوة والعمولات والمحسوبيات والمزاودات قد انقرضت، ولكن أصبحت شبه متوارية عن الأنظار في ظل طغيان باقي الجرائم الاقتصادية».
يعيد غسان قلاع رئيس اتحاد غرف التجارة السورية سبب انتشار الجريمة الاقتصادية وزيادة معدلاتها إلى ما يسميه «الانحلال الأخلاقي»، الذي كان أحد أهم عوارض الأزمة. فقد «زاد عدد المعتدين على الأملاك العامة والخاصة، كتفكيك المعامل وبيعها في الأسواق، أو تهريبها لمناطق مجاورة، تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتجهيزاتها، بحيث انحسرت المساحات المستثمرة، وما بقي أصبح يحتاج الى كلف تشغيل عالية، هذا فضلاً عن نقص الأيدي العاملة وتبعثرها هجرةً وقتلاً...وغير ذلك».
وبرغم خروج مناطق عدة عن سلطة الدولة وتوقف عمل المراكز الشرطية والقضائية فيها، وعدم توثيق جميع المتضررين للحوادث التي تعرضوا لها، إلا أن المؤشرات الإحصائية المتعلقة بعدد الدعاوى القضائية لهذا النوع من الجرائم تبقى ذات أثر في رسم ملامح الواقع. فوفق البيانات الإحصائية المتوافرة لدى وزارة العدل، التي يعود تاريخها إلى عام 2012، وحصلت عليها «الأخبار»، فإن عدد الأحكام القضائية المكتسبة للدرجة القطعية في جرائم تزوير الأوراق النقدية وصلت إلى 107 جرائم، الرشوة 27، الاحتيال 659، جرائم المتاجرة بالأعضاء البشرية 3، جرائم المس بالاقتصاد الوطني 112 حكماً، تزوير أوراق رسمية حالة واحدة... وغيرها.
ولدى مقارنة هذه البيانات بما نشر في نهاية العام الماضي من بيانات، يتضح الدور الذي أدّته ظروف الأزمة في شيوع ظاهرة الجرائم الاقتصادية وتغلغلها في ثنايا المجتمع السوري. فمثلاً لجهة جرائم تزوير الأوراق الرسمية، تشير التقديرات إلى تسجيل نحو 15 حالة تزوير يومياً لوثائق ومستندات خاصة فقط بالعقارات والممتلكات الشخصية للأفراد، فيما ضُبط حتى نهاية عام 2014 أكثر من ألف حالة اتجار بالأشخاص، ونُظم 462 ضبطاً بتهم ترويج عملة مزورة وليرات ذهبية مزيفة وتزوير وثائق رسمية ونصب واحتيال... وغيرها.
الأكثر وضوحاً في هذا السياق كان جرائم سرقة المنشآت والموارد الاقتصادية، التي لم تتجاوز عام 2012 حالة واحدة اكتسبت قضائياً الدرجة القطعية، بينما حالياً هناك آلاف المعامل والمنشآت والمؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة، التي نهبت وسرقت وبيعت كخردة في أسواق بعض الدول المجاورة، أو لقاء الحصول على سلاح وبضائع ومنافع أخرى. حتى جرائم سرقة الأعضاء البشرية، التي لا يمكن تصنيفها ضمن خانة الجرائم الاقتصادية، فإن انتشارها وتحولها إلى تجارة مزدهرة يفرض ضرورة التطرق إليها. فهذه الجرائم كان ينظر إليها عام 2012 وما قبله على أنها من الجرائم النادرة، لكنها اليوم أضحت من الجرائم الشائعة و»الرابحة»، لدرجة أن رئيس الطب الشرعي بدمشق أعلن بوضوح، وأمام حشد من المؤتمرين كانوا يناقشون أخيراً أبعاد هذا النوع من الجرائم، أنه سُجّل في الشمال السوري وحده أكثر من 18 ألف جريمة سرقة لأعضاء بشرية.
ومهما كان التباين في طبيعة وعدد الجرائم الاقتصادية المرتكبة في المناطق الخاضعة لسلطة الدولة أو الخارجة عنها، فإن أثارها تبقى واحدة، إذ إنّ المتضرر المباشر هو المواطن والنشاط الاقتصادي العام، في الوقت الذي تتمركز فيه الثروة بأيدي شريحة اجتماعية جديدة، نشأت بفعل الفوضى وغياب سلطة القانون، وقوة السلاح، الأمر الذي من شأنه التأسيس لنزاعات مستقبلية طويلة الأمد، وضياع حقوق وممتلكات المواطنين، وإمساك مافيا الفساد والإجرام الاقتصادي بالنشاط الاقتصادي على المستوى الوطني أو المناطقي. فالمضاربات على سعر صرف الدولار مثلاً أدت كما يوضح الدكتور طيارة إلى «تراكم ثروات رجال الأزمات، كما أن الغلاء أدى إلى زيادة أعداد الفقراء وأصحاب الدخل المحدود. وهذا بدوره أدى إلى عدة أثار منها: تحوَّل دولار السوق السوداء من عملة أجنبية يجب محاربتها رسمياً وشعبياً إلى عملة رسمية سرية يجري تسعير حاجات المواطن المعيشية على أساسها، وهذا أمر تفعله حتى الإدارات العامة؛ إضعاف الثقة بالقرارات الحكومية، فمن شبه المستحيل أن تجد بائعاً يلتزم التسعيرة الحكومية، وتالياً فإن انعدام ثقة المواطن بقرارات الحكومة يدل على فشل حكومي مخيف».
في تقريره الصادر منذ أيام تحت مسمى «الاغتراب والعنف»، يبين المركز السوري لبحوث السياسات أنه «في سياق النزاع المسلّح، بات جزء كبير من السوق ملاذاً للمحتكرين والمبتزين والمستغلين والانتهازيين، حيث تزدهر تجارة السلاح وأعمال النهب والسلب والخطف والاتجار بالبشر والتهريب والمشاريع الاستغلالية التي تزيد من ثروة مجموعات وطبقات وفئات جديدة، تقوم من الناحية التنموية والأخلاقية بتدمير القيم الإنسانية والنسيج الاجتماعي ورأس المال الاقتصادي للبلاد».




مصائب المناطق الخارجة على سلطة الدولة

في المناطق الواقعة تحت سيطرة المجموعات المسلحة والتنظيمات التكفيرية، تتعدد الأسباب المؤدية إلى حدوث الجرائم الاقتصادية وانتشارها. فهي وفق ما يوضحه الناشط المعارض والمقيم في ريف إدلب عبد الرزاق كنجو، ليست بجديدة «لكنها تضاعفت بسبب الانفلات الأمني والأوضاع الاقتصادية السيئة وعدم وجود الجهة الشرطية المتابعة. فالشرطة التي يجري تشكيلها في هذه المناطق غير مؤهلة، وتشكيلها عشوائي وغير متخصص، ويحتوي على ثقافات وانتماءات مختلفة، فضلاً عن كونها متعددة المرجعيات»، كما أن «الجسم القضائي هو غالباً من غير المختصين. فأعضاؤه ليسوا بقضاة، بل يجري اختيارهم من بعض المشايخ أو المشهود لهم بالرأي السديد والسيرة الطيبة، لكن هذا غير كاف نظراً إلى جهلهم بالقانون، إذ إن أحكامهم فورية وبلا دفاع ولا حتى تأجيل، وعلى اعتبار أنهم لا يملكون سجوناً، فإن أحكامهم تكون إما الإعدام أو البراءة، وغالباً فإنّ من يستدعونه يهرب وينزح بعيداً عن المواجهة». وبعبارات عامة يرسم المعارض كنجو صورة سوداوية للوضع العام في المناطق الخارجة على سلطة الدولة، إذ يصف الوضع بـ «السيّئ جداً ويلزمنا عشرات السنين كي يعود الأمن والأمان للقطر، سواء في المناطق المحررة أو غيرها، إذ انه لا يخلو بيت من مصيبة ألمت به من جانب الأطراف المتحاربة».