هو مشروع لا يقل في طموحه عن أهرام الجيزة القديمة التي بناها الفراعنة قبل آلاف السنين. فالعاصمة المصرية الجديدة التي يجري التخطيط لبنائها من الصفر هربا من التلوث الخانق في القاهرة ستضم مطارا أكبر من مطار هيثرو في لندن، ومبنى أعلى من برج ايفل في فرنسا وشوارع وطرقا تنتشر على جانبيها الأشجار بأطوال تتجاوز عشرة آلاف كيلومتر.

وجرى الكشف عن مشروع العاصمة الجديدة المنوي بناؤها خلال سبع سنوات فحسب في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي عقد قبل أيام، وحث فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي المستثمرين الأجانب على مساعدة مصر على الانطلاق بعد ما شهدته من اضطرابات فجرتها انتفاضة عام 2011.

لكن الخطة لم تلق ترحيبا مطلقا، إذ أبدى بعض سكان القاهرة شكوكا في ضرورة نقل العاصمة التي يزيد عمرها على ألف عام لتحل محلها مدينة جديدة براقة تعتمد اعتمادا كبيرا في تمويلها على دول عربية خليجية.
وقال عمرو كريم الذي يعمل بوابا بإحدى عمارات حي العجوزة في القاهرة «إذا كنا نحتاج إلى نقل بعض المباني وبعض الموظفين الحكوميين فلا بأس، لكن المباني لا تصنع عاصمة. التاريخ هو الذي يصنع عاصمة».
وخلال القرن الأخير بنى عدد من الدول عواصم جديدة مثل برازيليا في البرازيل، التي تأسست عام 1960، وكانبيرا في استراليا عام 1913، واستانة التي أصبحت عاصمة إدارية لكازاخستان عام 1997. ويجيء طموح مصر أكبر من كل ذلك.
فالخطط تقضي بأن تغطي العاصمة الجديدة مساحة 700 كيلومتر مربع تقريبا، أي ما يعادل مساحة سنغافورة وتضم 1.1 مليون وحدة سكنية وتخلق 1.75 مليون وظيفة بحسب ما ورد على موقعها على الانترنت.
وقال محمد العبار، قطب العقارات الإماراتي الذي ساعد على إقامة برج خليفة، أعلى مبنى في العالم في دبي، ويتولى قيادة المشروع المصري الضخم، إن التكلفة الاجمالية تبلغ نحو 300 مليار دولار.
وللمقارنة يقول دليل وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية إن اجمالي الناتج المحلي المصري بلغ 262 مليار دولار عام 2013.

■ إخفاقات سابقة

بعد خلع جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في عام 2013 وانتخاب السيسي رئيسا للبلاد بعام أعلن السيسي سلسلة من الاقتراحات شملت شق قناة جديدة موازية لقناة السويس لتكون بداية لعهد من الرخاء للمصريين الذين يبلغ عددهم نحو 90 مليون نسمة.
ونظرا للزحام الشديد الذي تعانيه شوارع القاهرة وأزمة الإسكان الحادة التي جعلت عشرات الآلاف يعيشون وسط المقابر فقد بدا إغراء البداية الجديدة من الصفر كبيرا، لكن الفكرة ليست جديدة كما أن السوابق تثير القلق.
فقد سبق أن أقيمت «مدن جديدة» على مشارف القاهرة وانتهى الحال بكثير من أحيائها خالية أو أنها أصبحت مساكن للطبقة الثرية وظل نقص البنية التحتية وغياب وسائل النقل من العوامل التي عرقلت انتقال المواطنين العاديين للإقامة في المدن الجديدة.
وقال محمد حسن (27 عاما) ويعمل كهربائيا وهو يجلس في مقهى بأحد الأحياء القديمة في القاهرة إن العاصمة الجديدة «ستكون للأغنياء فقط». وأضاف «أما نحن، فسنواصل أكل سندوتشات الفول والطعمية»، مشيراً إلى أنها أهم الأكلات الشعبية عند أغلبية المصريين.
ويقول بعض سكان القاهرة إن من الأفضل إنفاق الأموال التي ستنفق على إقامة العاصمة الجديدة على تحسين الخدمات الأساسية في بلد يعيش أكثر من ربع سكانه تحت خط الفقر أو بالقرب منه وفقا لبيانات الأمم المتحدة.
وقال مصعب منصور وهو طالب أثناء أداء التمرينات في صالة رياضية بأحد الأحياء الراقية في القاهرة «لم أسمع بالعاصمة الجديدة. كيف يمكننا أن نتحمل تكلفة عاصمة جديدة، ونحن لا نستطيع بناء طرق جديدة ومدارس؟... من سيدفع تكلفتها؟ الخليج؟ إذا دفعوا التكلفة فستصبح عاصمتهم. ولن نكون سوى مستأجرين».

■ حشد الشعب

وترسم الصور البراقة على الموقع الالكتروني للمشروع صورة أقرب إلى مدينة دبي منها للقاهرة، بما يملأها من زحام وفوضى. وتنتشر في التصاميم الهندسية للعاصمة الجديدة المساحات الخضراء وحديقة كبيرة ستكون أكبر ست مرات من مساحة ديزني لاند في كاليفورنيا.
ويقول مسؤولون مصريون إن المدينة ستقام في منطقة تقع إلى الشرق من القاهرة بعيدا عن نهر النيل، وعلى الطريق المؤدي إلى قناة السويس ومدينة السويس. ومن المقرر أن تقام المرحلة الأولى بتكلفة تبلغ نحو 45 مليار دولار، على أن تغطي 135 كيلومترا مربعا.
وقد وعدت السلطات ببدء العمل في غضون أسابيع، كما أن السيسي ــ الذي قال إنه يدرك أن الاحتجاجات الشعبية أسقطت رئيسين في غضون أربع سنوات ــ يحرص على تحقيق نتائج سريعة في بلد يشتهر بالبيروقراطية الشديدة.
وقال السيسي للعبار في فيديو انتشر الاسبوع الماضي على الانترنت إنه لا يريد البناء في عشر سنوات أو حتى سبع سنوات.
ويقول خبراء في التخطيط العمراني إن المشروع لم يوضح حتى الآن ما البنية التحتية التي ستربط العاصمة الجديدة بالقاهرة، وهو خطأ رئيسي كان سببا في عدم نجاح «مدن جديدة» أخرى كما يتشككون في عدد المصريين الذين سيبدون استعدادا للانتقال إليها فعليا.
وقال يحيى شوكت، الباحث في السياسات الحضرية في مركز أبحاث مستقل، إن مصر أنفقت بالفعل ثمانية مليارات دولار على 21 مدينة جديدة في السنوات الثلاثين الماضية، وجاءت النتائج متباينة. وأضاف متحدثا عن المدن الجديدة «لم يحدث انتقال ملموس للسكان... كما أن معدل الاشغال يبلغ نحو 20 في المئة في المتوسط».
غير أن أحمد الحسيني الرئيس التنفيذي لشركة «بلانت» للاستثمار اختلف في الرأي مع كثير من المعارضين للمشروع، وقال إنه «قضية عظيمة لحشد الشعب من حولها»، وخاصة أنه يرمي لايجاد عدد كبير من الوظائف في بلد يصل فيه معدل البطالة إلى 13 في المئة.
وردا على الانتقادات التي تقول إن نقل العاصمة سينال من المكانة التاريخية التي تتمتع بها القاهرة، بما تحويه من عمارة إسلامية قديمة ومساجد وأسواق، وكذلك قلعتها التاريخية، قال الحسيني: «لديك الكثير من المدن العظيمة التي تمكنت من نقل الحركة بعيدا عن المركز، ومع ذلك احتفظت بعظمة العاصمة». وشدد على أن المدينة الجديدة ستكون مركزا إداريا لن يؤثر في مكانة القاهرة.
وأبدى رامي الرافعي الذي يمتلك محلا لبيع الملابس تفاؤله أيضا. وأشار إلى خطط سابقة لنقل الوزارات بعيدا عن وسط القاهرة، فقال «هذه فكرة قديمة. وهي فكرة عظيمة منذ اقتراحها قبل سنوات وسنوات». وأضاف «الخليج والأوروبيون والصينيون كلهم يعرفون أن مصر مكان جيد للاستثمار... أرجو أن يستخدموا بعضا من هذا الاستثمار ليجلعوا هذه العاصمة الجديدة في جمال دبي بإذن الله».
(رويترز)