منذ اجتياح تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) الموصل ومناطق من شمال العراق في 9 حزيران 2014، ثم تهجير مواطنين مسيحيين وآخرين من طوائف أخرى بعد نحو شهرٍ، عاد مسمّى «الأقليات» إلى التداول الدولي على نحو كبير، قبل أن تكرّ سبحة الاعتداءات على طوائف ومذاهب وإثنيات متعدّدة يضمها العراق وسوريا، ليصبح مصطلح «الأقليات»، ثابتاً في الوعي المتفاعل مع الأحداث في المنطقة، وجزءاً أساسياً من الآليات التي يُحاوَل إرساؤها بواسطة «داعش»، بدءاً بتكريس واقعٍ فئوي في الخطاب الإعلامي المتناول للحدثين السوري والعراقي تحديداً، انتهاءً بالفصل الجغرافي الذي لم يعد الحديث عنه ترفاً أو توقعاً، في ظلّ تصريحات سياسية غربية تبشّر بالشكل المستقبلي للمنطقة، وتحديداً العراق، بعد «التحرير» الجديد.


«فوبيا» الدولة الوطنية

تكريس مفهوم الأقليات ليس طارئاً في عالم الأحادية القطبية. فمعروفٌ أنه منذ استفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم عام 1990 أو قبل ذلك بمدّة قصيرة، تبلورت ماهيات ومفاهيم جديدة للحروب والنزاعات، لم تعد معها الهويات الأيديولوجية السياسية مغرية للتسويق والاستثمار الدوليين، فتكرّست مسميات جديدة لعناصر الاقتتال، هيمن عليها التعريف الفئوي الاختزالي السائد اليوم. وربما أكثر الأمثلة وضوحاً ورواجاً في هذا المجال، أننا أنّى التفتنا منذ سنوات، نشاهد عبارات تنعت الحروب المستعرة في منطقتنا بـ «الصراع السني ـ الشيعي»، (في اليمن اليوم مثلاً من يدفع باتجاه تكريس عنوانٍ لصراع زيدي ـ شافعي!)، إلى جانب «الاستهداف الإسلامي للمسيحيين والأقليات»، وهي وإن كانت عناوين «صحيحة» في شكلها الأوّلي، إلا أن تناولها بهذه الصورة التبسيطية، يفرغ الصراعات من محتواها السياسي، مكتفياً بلغتها الظاهرة ومهيئاً الأرضية، التحريضية خصوصاً، لأي «حلٍّ» أو «بديل» مهما كانت طبيعته وكلفته.

تضمنّت تصريحات دولية
أخيراً إشارات واضحة إلى
«الادارات المحلية»

عندما نُشر فيديو تحطيم «داعش» للآثار في متحف الموصل، انهالت في الإعلام الغربي والعربي الذي يجاريه، تقارير للتعريف بالآشوريين وبتاريخهم، ولكن كطائفة أو جماعة. وهذه التغطية، التي قد تبدو عاديةً في سياق التعاطي مع حدث، كالذي شهده متحف الموصل، وخصوصاً أنه تزامن مع أسر التنظيم 90 سورياً أشورياً من الحسكة قبل مدة، تصبح مثيرةً للتساؤلات حين يجري التعاطي الإعلامي مع قضية تدمير الآثار كأنها متعلقة بالطائفة الأشورية فقط (لا بحضارة العراق كله)، كـ «أقلية» وكجزءٍ من مسار تعميق الفصل بين الجماعات المكوّنة للشعبين العراقي والسوري. تماماً مثلما هيمن هذا الخطاب على الإعلام عند تهجير الموصليين المسيحيين وأتباع الطوائف الأخرى من الايزيديين والشبك والكاكائيين وغيرهم في تموز الماضي، فأثمر دعوات إلى «الحماية الدولية»، متواصلة حتى اليوم. هذا الخطاب الذي قد يتفهمه البعض أيضاً على خلفية أن «داعش» التكفيري يستهدف أتباع هذه الأديان والطوائف، يصعب النظر إليه «ببراءة» حين يترافق مع طمس أي ذكرٍ للدولة ودورها في حماية مكونات شعبها ومواطنيها. هذا التغييب المتعمد للدولة الوطنية في العراق وسوريا، والإمعان في تقديمها للرأي العام بكونها مفككة ومنتهية تماماً أثناء المقاربات الاعلامية، ثم السياسية المتعلقة بـ «الأقليات»، لا يمكن المرور عليهما من دون التوقف عند الضرر الذي يُلحقانه في الوعي المتلقي للصراع في المنطقة اليوم.
على سبيل المثال فقط، انتشر في الأيام الماضية خبرٌ عن «موت إيزيديين (لا عراقيين) على الحدود التركية ـ البلغارية» في وكالات الأنباء الأجنبية. وأخيراً، نشر «مركز التقدم الاميركي» تقريراً عن «انقراض المسيحيين من الشرق الأوسط»، أشار إلى ما سمّاه «الآثار الكارثية على المسيحيين من الاقتتال السنّي ـ الشيعي». هذه الإشارة تتعمد أولاً تصوير المسيحيين السوريين والعراقيين والمصريين تحديداً، كمتلقٍ منعزل عن دولته ومجتمعه. ثانياً هي تتعاطى مع الدين المسيحي والدين عموماً كهوية خالصة، مغيبةً أن المسيحي والطوائف الأخرى، جزءٌ من نسيج شعوب المنطقة، في ما يصبّ مجدداً في الإصرار على محو أي أثر للدولة، والعودة بهذه الشعوب إلى زمن ما قبل الدولة الحديثة.

الاحتفاء بـ «الأقليات»

منذ تموز الماضي، لم تخفت الدعوات الصادرة من اتجاهات متعدّدة إلى «الحماية الدولية»، إما عبر نشر قوات غربية برية على الأرض، أو عبر إنشاء إقليم لضمّ «الأقليات»، على غرار إقليم كردستان، وتطبيقاً لدستور بريمر عام 2005 الذي يعترف بالفدرلة في بلاد الرافدين. رجال دين عراقيون وجماعات ضغط في واشنطن ممثلةً للطوائف المسيحية، يدفعون منذ ذلك الوقت باتجاه قيام إقليم في مناطق سهل نينوى لـ «الحماية»، فيتجه بذلك العراق مستقبلاً إلى أن يصبح أربعة عراقات، فيما برز «حلٌّ» آخر، يتمثل في أن يكون إقليم كردستان «مستقبَل المسيحيين والأقليات».
في هذا الوقت، كانت مناطق شمال غرب العراق وشمال شرق سوريا، قد شهدت ولادة تنظيمات مسلحة تحت رايات طائفية، مثل «المجلس السرياني العسكري» الذي يطالب الغرب بمدّه بالسلاح وبدعمه لأنه «مسيحي»، وتنظيم «شهيد المستقبل» الأشوري، وغيرها من الميليشيات التي احتفى بها الإعلام الغربي أخيراً، على غرار احتفائه بـ «وحدات حماية الشعب» الكردية. ومن دون الوقوع في المغالاة أو في التنظير على الذين تنتهك قراهم ومدنهم من قبل «داعش»، تجدر الإشارة إلى أن هذا الواقع يثير تساؤلات عن الحماسة لاستثارة العصبيات المضادة لـ «داعش» منذ اليوم الأول لاجتياح الموصل، ضمن فكرة التشكيلات الفئوية البعيدة عن الدولة والجيشين السوري والعراقي، وخصوصاً أن إرساء مشروع «الادارات المحلية» لم يعد مجرد تكهنات، بل واقعاً يمكن ملاحظته في تصريحاتٍ دولية، ليس آخرها تأكيد عسكري أميركي أن «معركة الموصل» التي وعد مسؤولون أميركيون بشنهّا في الربيع المقبل، سيعقبها وضع الموصل تحت «الإدارة المحلية» من قبل العشائر وقوات مدرّبة أميركياً، في فصلٍ تام عن الدولة المركزية.
وفي وقتٍ ينتظر فيه العالم عقد اجتماعٍ لمجلس الأمن في 27 من الشهر الحالي، «لبحث وضع الأقليات في الشرق الأوسط»، بناء على دعوة فرنسا إلى نقاش «كيفية حماية الأقليات في المنطقة»، أُعلن أخيراً تكفّل قوات البشمركة بتدريب وتسليح «الأقليات»، تمهيداً لـ «معركة الموصل» المرتقبة، بقيادة «التحالف الدولي».
لا حاجة إلى التذكير في كلّ مرة بأن ضحايا «داعش» من المسلمين يفوقون عدد الضحايا الآخرين. لعبة التنافس في هذا المكان مستفزّة وأشبه بحلقة مفرغة. غير أن التنبّه لمسائل مثل «التضامن مع الأقليات» في تبنٍّ لخطاب الفصل السائد، والانخراط في الدعوات «لحمايتهم»، وإن بنياتٍ حسنة، ضروري لتحصين الذات من المساهمة في أي مسار يصبّ في المشاريع المعادية للدولة الوطنية، التي لا مستقبل لشعوب المنطقة، بمكوناتها كافة، إلا في ظلّها.




مناطق آمنة «مؤقتة»

بعد إصداره بيانات وتوصيات عدة بشأن ممارسات تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، وخصوصاً في الشق المتعلّق بالأقليات الدينية والعرقية، يعقد مجلس الأمن جلسةً في 27 من الشهر الجاري «لبحث وضع الأقليات في الشرق الأوسط». وقد التقى وفدٌ من منظمات غير حكومية ممثلةً للايزيديين وللطوائف المسيحية في العراق وسوريا، يوم الجمعة الماضي، بممثلي 4 من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، سلّمهم الوفد مذكرة تطالب مجلس الأمن بإصدار قرار يتيح «إنشاء مناطق آمنة مؤقتة» في الشمالين العراقي والسوري. الوفد الذي رافقه المستشار في الكونغرس الأميركي، وليد فارس المعروف بارتباطه بدوائر صهيونية ويمينية في الولايات المتحدة، طالب بأن تقدم هذه المناطق المقترحة، الحماية من قبل المجتمع الدولي للأقليات الخاضعة للتطهير منذ حزيران الماضي، مشدداً على أن هذه المناطق «ستكون مرحلية ولن تتصادم مع التسويات السياسية على المدى الطويل في العراق وسوريا أو مع وحدة هاتين الدولتين».