الحديث عن حلٍّ لانقطاع التيار الكهربائي في حلب أشبه بالبحث عن رابع المستحيلات. وإذا كانت سيطرة كلّ من «جبهة النصرة» على محطة تحويل الزربة وتنظيم «الدولة الإسلاميّة» على المحطة الحرارية، علاوة على سخونة المشهد الميداني في المحافظة بالعموم يشكلان عائقين أساسيين أمام تحسّن واقع التيّار، فإن أسباباً خفيّة أخرى تبدو كفيلةً بعرقلة نتائج أي تطوّر إيجابي في هذا الملف.


أحدث الأمثلة تتجسد في الواقع الكهربائي الراهن، الذي كان من المفترض أن يشهد قفزةً نوعيّة بفعل عاملين اثنين: إصلاح خط الزربة، وإقلاع المحطة الحرارية قبل نحو ثلاثة أسابيع. وهما عاملان كفيلان بمضاعفة كميات التيار الواصلة إلى حلب ثلاث مرّات على الأقل. رغم ذلك، لم يتغيّر شيء في عدد ساعات التغذية إلى سكّان الأحياء الغربية، وبقيت تراوح ما بين ساعة وساعتين (في أفضل الأحوال) خلال الأربع والعشرين ساعة!

أين ذهبَت الكهرباء؟

أمام هذا الواقع، كانَ لا بدّ من البحث عن كميات الكهرباء التي توافرت في الفترة الأخيرة، من دون أن يتشرّف سكّان المدينة بلقائها. «الأخبار» أخذت المهمة على عاتقها، فعثرَت على الكهرباء في المدينة الصناعية بالشيخ نجّار. وبعبارة أدق، في عدد محدود من معامل المدينة. 28 معملاً (من أصل نحو 1000 معمل ومصنع) باتَت تحظى بتيار كهربائي حكومي، يُغذيها باستمرار من دون أي انقطاع، 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع.
التفصيل الأهم أن تغذية المعامل المذكورة تجري خلسةً، وسرّاً. صفقات خاصةٌ كانت قد عُقدت في هذا الشأن قبل إصلاح خط الزربة وعودة المحطة الحرارية إلى العمل عودةً فعلية. بعض المسؤولين عن قطاع الكهرباء استبقوا الأمر بالاتفاق مع عدد من أصحاب المعامل، واتُّفق بواسطة المُتعهد «م.ك». أُنجزت الاتفاقات بصورة تؤمن غطاءً للمسؤولين، حيث يسدّد أصحاب المعامل المبالغ المترتّبة عليهم بموجب الصفقة إلى المتعهد المذكور، على أنّها «أتعاب مُتعهد ومصاريف لإعادة وصل الكابلات... وما شابه». علاوة على قيام أصحاب المعامل المذكورة بـ«تسديد الفواتير السابقة المتوجبة عليهم». علماً بأن أغلب هذه المعامل كانت تحت سيطرة المسلحين، وعدّادات الكهرباء فيها مسروقة أو محطمة، ويعود تقدير الفواتير المتراكمة في هذه الحالة إلى خبراء شركة الكهرباء. كذلك أصلح أصحاب المعامل خطوط الكهرباء الواصلة إلى معاملهم، وجهّزوا المحوّلات اللازمة، طبعاً بالاتفاق الحصري مع المتعهد السمسار. الأخير تمكن من الوفاء بالتزامه الأهم، والمتمثل بعودة التيار. وهو أمرٌ لم يكن ليتمّ من دون تعاون مديرية كهرباء المدينة الصناعية، ومديرية نقل الطاقة في الشركة العامة لكهرباء حلب، إضافة إلى إدارة الشركة العامّة لكهرباء حلب.

... ومسؤولو الكهرباء «يلفّون ويدورون»

مدير نقل الطاقة الكهربائية في حلب المهندس حسام حج إسماعيل أكّد لـ«الأخبار» أنّ «الجهود مستمرّة لتحسين واقع التيار الكهربائي في المدينة الصناعية». وأسهب في الحديث عن خطوات مستقبلية، محاولاً تجنّب الحديث عن وصول كميات من التيار بالفعل منذ أكثر من عشرين يوماً. ولدى سؤاله بشكل محدّد عن الواقع الحالي، قال حج إسماعيل إن «كمية التيار الواصلة في الوقت الحالي لا تتجاوز 10 ميغا، وهي كمية لا تكفي لتشغيل شيء». حج إسماعيل حاول الإيحاء بأنه لا يمتلك معلومات دقيقة عن مصادر طاقة المعامل التي عادت إلى الإنتاج في المدينة الصناعية، ورجّح أنها «تعتمد على مولّدات الديزل».
الأمر ذاته تكرّر لدى السؤال عن واقع التغذية الكهربائية لمدينة حلب، حيث تحدّث عن «جهود كبيرة لإيجاد حلول، مثل إصلاح خط التغذية الوارد من زيزون (ريف حماة)، ومحاولة الاستفادة من ذلك باستجرار كميات إضافية إلى حلب عبر الشبكة السورية العامة». وبسؤاله عن واقع التيار الحالي في حلب، وساعات التغذية وأسباب بقائها منخفضة رغم تحسن بعض المعطيات أكّد أنه لا يمتلك إجابات عن هذه الأسئلة وأن الإجابات عند «الأستاذ عبد الإله (تلاليني مدير الشركة العامة لكهرباء حلب)». الأخير بدوره، ردّ على تساؤلاتنا بجمل إنشائيّة معهودة عن «العمل بتوجيهات السيد المحافظ والسيد الوزير (وزير الكهرباء) لتحسين واقع التيار الكهربائي في المدينة الصناعية، وفي مدينة حلب». ولدى طلبنا منه تزويدنا بأرقام ومُعطيات دقيقة تتعلق بالواقع الحالي، وساعات التغذية، وكميات الكهرباء الواردة إلى المدينة الصناعية وإلى مدينة حلب أكّد تلاليني أنّه «خارج المكتب حالياً»، وطلب الاتصال به في وقت لاحق. لكنّ «الأخبار» استطاعت التأكّد من أن تلاليني كان في مكتبه وعلى رأس عمله حينَها، ولدى معاودة الاتصال في وقت لاحق (بناءً على طلبه) فشلت المحاولات مرّة بسبب عدم الرد، ومرات عدّة لأن الهاتف كان «مغلقاً أو خارج نطاق التغطية».

ماذا تعني الـ 10 ميغا؟

كمية الـ 10 ميغا التي قال مدير النقل الكهربائي إنها «لا تكفي شيئاً» ليست كفيلة ربما بـ«إغراق» الأحياء الغربية في المدينة بالنور، إلا أنها حتماً قادرة على تحسين الواقع المزري الذي تعيشه المدينة حالياً. لكن للمستفيدين منها حسابات أخرى. فتوليد كمية مماثلة عبر مولدات الديزل يحتاج إلى ما لا يقل عن 1500 ليتر مازوت في الساعة، تبلغ تكلفتها قرابة 20 ألف ليرة سورية ساعيّاً، أي نحو خمسة ملايين ليرة في اليوم الواحد، ومئة خمسين مليون ليرة شهريّاً! هذا هو المبلغ الذي وفّره أصحاب المعامل المستفيدون حتى الآن بفضل «المتعاونين» معهم. والسؤال الآن، على ماذا حصل «المتعاونون» في المقابل؟ اللهم إلا إذا فعلوا ذلك حبّاً بالصناعة والصناعيين، بالأحرى بثمانية وعشرين صناعياً لا أكثر. المفارقة، أن عدداً من أصحاب المعامل الـ 28 «المُدللة» راحوا أخيراً يبيعون الكهرباء لبعض جيرانهم!





المحولات «باب رزق» للبعض

لا تقتصر خفايا المدينة الصناعية وتيارها الكهربائي على النعمة التي حظي بها 28 صناعياً. سُجلت أخيراً حالات سرقة كثيرة طاولت مراكز التحويل الخاصة بعدد من المعامل (ليست من المعامل المدللة طبعاً). وهي مراكز كان أصحاب المعامل قد اشتروها بدلاً من سابقة سرقها المسلّحون خلال سيطرتهم على المدينة الصناعية. وبعد إن لم يُدفَع "المعلوم"، تقوم جهات "مجهولة" بسرقة مراكز التحويل التي عاد الصناعي وبعد عودة المدينة إلى سيطرة الدولة السورية بقي رجال الشرطة والأمن الجنائي يشرفون على أمن وحراسة معامل المدينة، قبل أن يجري سحبُهم أخيراً. لتتوالى بعدَها حالات السرقة، والمفارقة أن معظم المصادر التي تواصلت معها «الأخبار» أجمعت على أنّ الجهة السارقة معروفة بأعضائها واسم زعيمها ولقبه.