حيفا المحتلة | لا تزال انتخابات الكنيست الإسرائيلي، المزمع عقدها يوم غد، تستدعي نشاطاً محموماً من الأحزاب العربية المشاركة فيها ضمن قائمة مشتركة بعدما اضطرها إلى الوحدة خطر «رفع نسبة الأصوات اللازمة للحصول على مقعد برلماني»، إضافة إلى ضغوط فلسطينية (رام الله) وإقليمية عربية.

الأحزاب العربية الأربعة المشاركة (الجبهة الديموقراطية والحزب الشيوعي ــ الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديموقراطي، والحركة الإسلامية ــ الجناح الجنوبي، والحركة العربية للتغيير)، تجد نفسها محرجة في تجمعها «الاضطراري»، فتحاول تلافي الخلافات التي لا يمكن «تكنيسها» تحت سجادة «المعركة الانتخابية».

رغم ذلك، تطفو الخلافات من حين إلى آخر فوق السطح، لتؤكد أن «ما يفرق أكثر مما يجمع». ففي الأسبوع الماضي، وخلال محاضرة طلابية في بئر السبع، صدرت عن مرشح «الحركة الإسلامية» في القائمة، النائب طلب أبو عرار، تصريحات قادت إلى تلاسن بينه وبين مرشحة «الجبهة»، عايدة توما، بعدما قال أبو عرار: «إنني أحترم المتبرجات... حتى النصارى أحترمهم»! يزيد على ذلك التلاسن المستمر بين مشايعي «الجبهة» و«الحزب الشيوعي» من جهة، وحزب «التجمع» من جهة أخرى.

«زواج المصلحة» لا يخفي اختلاف الأحزاب العربية في القائمة الموحدة

وكانت الأحزاب العربية الأربعة قد أعلنت نيتها خوض المعركة الانتخابية في قائمة واحدة تحوي محاصصات مناطقية وطائفية برغم الاختلافات البنيوية وتباين الطرح لدى تلك الأحزاب، سواء في خطابها المحلي أو موقفها إزاء المشهد السوري. وتتوقع غالبية استطلاعات الرأي الأخيرة حصول القائمة العربية على 13 مقعداً، وبذلك قد تكون القوة الثالثة بعد (المعسكر الصهيوني) المؤلف من تحالف حزب «العمل» (بزعامة إسحاق هرتسوغ) و«الحركة» (بقيادة تسيبي ليفني)، ثم «الليكود» بزعامة بنيامين نتنياهو.
وستتوزع مقاعد القائمة في حال الفوز على الأحزاب العربية، إذ سيكون أول مقعد (رئيس الكتلة) لـ«الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة» (قيادة محمد بركة حالياً، ثم أيمن عودة)، والثاني لـ«الحركة الإسلامية ـ الجنوب»، والثالث لـ«التجمع الوطني الديموقراطي» (أسسه عزمي بشارة)، والرابع لـ«الحركة العربية للتغيير» (برئاسة أحمد الطيبي)، ثم الخامس للجبهة، والسادس للحركة الإسلامية، والسابع للتجمع، ثم الثامن للجبهة، والتاسع للحركة الإسلامية، والعاشر للجبهة، فالحادي عشر للتجمع. هذه المقاعد شبه مضمونة، ليتفق بعدها العرب على كون المقعد الثاني عشر (للحركة العربية بالتناوب مع الحركة الإسلامية، أي نصف المدة لكل من المرشحيْن في حال إحراز المقعد)، والثالث عشر (الجبهة، تناوباً مع التجمع)، والرابع عشر (التجمع، تناوباً مع الجبهة)، والخامس عشر (الحركة الإسلامية، تناوباً مع العربية للتغيير)، والسادس عشر (حركة إسلامية)... والمقعد السابع عشر كان من نصيب «الجبهة»، إن حققت الأحزاب هذا الرقم في أقصى توقعاتها، علماً بأنها دفعت بـ17 مرشحاً ضمن الاعتبارات الطائفية والمناطقية، وحتى الجندرية (ذكر وأنثى).
ولا يغيب أن بعض الأحزاب الإسرائيلية تعمد إلى منح مقاعد مضمونة لبعض المرشحين العرب، وهؤلاء خارج حسبة القائمة الموحدة، لكن احتمال مشاركة القائمة العربية في حكومة (يسار وسط) يؤلفها هرتسوغ ستكون شبه معدومة، لأن الاستطلاعات تشير إلى أن أحزاب الوسط واليسار في إسرائيل سيكون من الصعب عليها الوصول إلى النصاب الذي يسمح لها بتشكيل حكومة (61 مقعداً من أصل 120)، من دون التحالف مع «شاس» المتطرف مثلاً، ما يجعل الحكومة ضيقة وتعج بتناقضات داخلية. وبناءً على ذلك، الأرجح تشكيل حكومة وحدة بين «المعسكر» و«الليكود»، يكون فيها العرب في خندق معارضة.
قد تكون الدعاية الانتخابية للقائمة المشتركة (إسقاط اليمين الفاشي) هي المفتاح لتفسير هدف المشاركين في الانتخابات واستجلاب هرتسوغ إلى رئاسة الحكومة، فالبعد الإقليمي في الموضوع واضح، لأن ثمة رغبة أميركية، كما يشاع، في تجاوز نتنياهو، أو ربما لجمه على أقل تقدير، لذلك صار على العرب دعم «المعسكر الإسرائيلي» وفرض وحدة مصلحية للدخول بقائمة واحدة، خاصة في ظل تدني معدلات مشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست منذ سنوات.
هذا الدعم الإقليمي المتقاطع مع الهاجس المحلي (إسقاط اليمين) يتلاقيان مع مصلحة السلطة في رام الله، التي أعلنت منذ البداية رغبتها في دعم القائمة المشتركة، في محاولة كما تقول للخروج من مربع جمود المفاوضات الذي يقف وراءه نتنياهو. وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد نشرت أسماء لأشخاص قالت إنهم متورطون في تلقي أموال أميركية وعربية خليجية من أجل حث العرب على إسقاط نتنياهو، ثم حاولت «الأخبار» محاورة بعض الواردة أسماؤهم في التقرير، لكنهم رفضوا الحديث عن الموضوع جملةً وتفصيلاً.
في سياق الدعاية الانتخابية، كان النائب محمد بركة (الجبهة والحزب الشيوعي) قد قال إن الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الأسير لدى الاحتلال، أحمد سعدات، عبّر له (خلال زيارته له في السجن) عن دعمه للقائمة المشتركة. تلك التصريحات نفتها لاحقاً «الجبهة الشعبية» في بيان رسمي، فيما تتواصل الدعوات إلى فلسطينيي الـ48 من الخارج بالتصويت، آخرها من رئيس «اللقاء الديموقراطي» في لبنان، وليد جنبلاط، الذي حثّ دروز فلسطين على تكثيف المشاركة في الانتخابات والتصويت للقائمة المشتركة، تلتها دعوة مماثلة من «الحزب الديموقراطي اللبناني»، برئاسة الأمير طلال أرسلان، وقد قابلها رد غير إيجابي من دروز فلسطيني.
في المقابل، تستمر «الحملة الشعبية لمقاطعة الانتخابات» في جهودها لرؤيتها أن هذه القائمة «قائمة كراسيّ مضمونة وأبعد ما تكون عن الوحدة الحقيقية»، كذلك أُطلقت حملة من حركتيْ «كفاح» و«أبناء البلد»، إضافة إلى مثقفين وأكاديميين، من أجل المقاطعة لدوافع وطنية وقومية.
واللافت أنه حتى وقت متأخر، سُجل غياب الحركة الإسلامية (جناح رائد صلاح ــ الشمال) عن الدعوة الصريحة إلى المقاطعة، وذلك على غير العادة، إذ اكتفى الشيخ رائد صلاح بتفنيد جدوى المشاركة من دون أن يدعو إلى التمنع عن التصويت، الأمر الذي فسره بأنها دعوة مبطنة للتصويت. لكن نائبه، كمال الخطيب، قال أمس، إن «الكنيست مصممٌ أصلاً على مقاس يهودية الدولة، ووجود 10 أو حتى 15 عضواً عربياً، لن يؤثر في آلية عمله وقراراته».
في كل الأحوال، لا أحد يستطيع التنبؤ بنسبة المقاطعة في ظل الأموال الطائلة التي تصرف على الدعاية وجر المصوتين العرب للصناديق، فيما يرى الناشط السياسي، عدنان بكرية، أن نسبة المقاطعة قد تصل إلى النصف بسبب «التراكمات الكبيرة التي عاناها فلسطينيو الـ48 بعد إخفاق العمل البرلماني في تحقيق أي من حقوق شعبنا».