جوع وعطش، هدوء حزين، مبان مدمرة، ظلام يخيم على الجغرافية الصغيرة، أناس لم يعودا يعرفوا معنى الحياة، وموت يفرض نفسه في أرجاء المكان.

نعم، فهذا ليس مسلسلاً تنتهي احداثه في ثلاثين حلقة، ولا حتى رواية تريد ان تحرك انسانيتنا المجمدة، بل انه وصف بكل بساطة لمخيم اليرموك الفلسطيني في سوريا.

مع بداية الأحداث السورية أصبح هذا المخيم من أكثر المناطق اكتظاظاً بالنازحين من مناطق عدة، ليس فقط من داخل دمشق إنما من المحافظات كافة أتوها لاجئين الى المخيم الرحب القلب من حمص، إدلب، حماة ومناطق الريف الدمشقي كافة. في مخيم اليرموك كان هناك من النازحين ما لا يقل عن 200 ألف نازح تقريباً.

بسبب الجغرافية اللعينة، وما هو محيط بهذا المخيم، زُجّ المخيم في حرب كان ضحيتها اولاد المخيم الفلسطيني، حيث هجر أكثر من 150 ألفاً منهم إلى خارج المخيم، كالعادة، على امل العودة القريبة. لكن العودة لم تكن قريبة مع مرور اكثر من سنتين الى يومنا هذا.

الكثير من الفلسطينيين قضوا ضحايا حرب لا علاقة لهم باستعارها، والعدد في تزايد ممن بقوا في مخيم اليرموك وذنبهم الوحيد أنهم لم يغادروا منازلهم!

منذ أواخر عام 2012، دخلت جماعات مسلحة كثيرة المخيم، على اعتباره أحد بوابات دمشق، وأعضاء هذه الجماعات استولوا على جزءٍ كبير من مؤونة المخيم، فاستباحوا الشباب الفلسطيني، واستباحوا الناس وقوتهم وامنهم. هكذا قتل أثناء الاشتباكات مع القوات السورية ونتيجة للقصف الذي يستهدفهم، عدد كبير من سكان مخيم اليرموك.

ثم تورطت بعض الفصائل الفلسطينية في المعمعة. زجوا بأنفسهم في حرب راح ضحيتها مدنيون آمنون داخل المخيم. حاول اهل المخيم استنقاذه مرات عديدية. لكن، من يصغي حين تعلو اصوات المدافع والصواريخ والكراهية واحقاد الدم؟
عقدت القوى والفصائل الفلسطينية إضافة إلى وجوه من المخيم، الاجتماعات المتتالية لتنظيم شؤونه، وتشكيل لجان أمنية غير مسلحة تشرف على أمنه، ولتأكيد حياديته بين المتحاربين، ولكن كل المحاولات باءت بالفشل على الرغم من أن الكثير من المناطق المجاورة انتهت باتفاقيات متبادلة بين المعارضة والنظام السوري.
أما في اليرموك؟ ففي كل مرة نسمع كلاماً فقط، ولا نرى الا آثار الحبر على الورق، كلمات مدورة لا تفي بوعودها ولا تفتح حتى نافذة للأمل. فقط، وحدها علامات الاستفهام تتراكم في عقول الكثيرين.
الآن هنا، في اليرموك، نتعرض لأقسى حملة تجويع وتعطيش. هناك استهداف للمخيم في وجوده. وتقول آخر الإحصائيات التي اجريت عن مخيم اليرموك من قبل جمعية "انقذوا فلسطينيي سورية" ان المياه وحتى تاريخ 07/03/2015 (اكثر من 83 يوماً على التوالي) كانت في حال انقطاع، وقد مضى أكثر من 525 يوماً على الحصار. و576 يوماً على انقطاع الكهرباء. اما الأقبح والأقسى فهو أن هناك أكثر من 171 شهيداً... بسبب الجوع وقلة العناية.
يشعر فلسطينيو مخيمات سوريا، وبخاصة مخيم اليرموك، ان هناك من يريد اقتلاعهم من هناك. واليرموك خصوصاً هناك من يريد مسحه عن الخريطة، كونه المخيم الذي يمثل للكثير من الفلسطينيين "عاصمة الشتات الفلسطيني".
فإذا ما ربطنا هذه المسألة مع فتح باب الهجرة للفلسطينيين إلى دول كثيرة في العالم، بخاصة في الغرب، تصبح الخطة واضحة: هكذا إذاً؟ لم يعد هناك ملاذ لهذا الفلسطيني الذي بات يبحث عن حياة امنة إلا بلاد الفرنجة! بخاصة بعد رفض اغلب الدول العربية استقبال الفلسطينيين في ظل الأحداث السورية، والتهميش الواضح لدور الفصائل الفلسطينية التي اظهرت عجزها عن تامين اقل حق ممكن للشعب الفلسطيني في الشتات بشكل عام وفي مخيم اليرموك بشكل خاص.

مخيم اليرموك قصة تتتابع أحداثها حتى اليوم، فاجعة بحق البشرية، عار بحق العرب وبعض القياديين الفلسطينيين، صفحة سوداء لا تعرف إلا الدماء، الدمار، الموت، الجوع والعطش، فيما يبقى العالم امام المأساة، متفرجاً على شاشاته: هل ينتظر نهاية المسلسل؟ اما ان النهاية لم تعد تعنيه ان كانت سعيدة ام مفجعة؟