فيما كان كثيرون في منتصف عام 2013 يذخرون بنادقهم بمزيد من الطلقات استعداداً لجولة جديدة من القتال، كان العقيد مصطفى شدود من مرتبات إدارة الدفاع الجوي يشق طريقه أعزل نحو أحد متاريس المسلحين في ريف دمشق، طالباً الحوار معهم لوقف إراقة دماء السوريين وتهديم البلاد.

خطوة الضابط الذي قضى شهيداً في ما بعد برصاص مسلحين، شجعت كثيرين على تكرار المبادرة على أكثر من جبهة، بعضها وجد طريقه إلى الرأي العام عبر كاميرات الهاتف المحمول وشبكات التواصل الاجتماعي، وبعضها الآخر ظل بعيداً عن الأضواء بانتظار من يفتش عنه.

وفي كلا الحالتين كانت الرسالة المراد إيصالها: ليس الرصاص وحده الناظم لعلاقات السوريين على جميع جبهات القتال... فثمة فسحة ما للكلام والرسائل عنوانها سورية تتسع للجميع.

ما كان يصوره
الإعلام منذ بداية الأزمة كمحرمات سقط مع أول مصالحة

يروي ضابط في الجيش السوري كان عائداً للتو من إحدى جبهات القتال، أنه خلال عملية اقتحام لمنطقة سكنية توجد فيها مجموعات مسلحة عدة، استشهد أحد العناصر، ولم يتمكن زملاؤه من سحب جثته، إلى أن جاءت مع تراجع حدة الاشتباكات سيدة كبيرة في السن، وأصرّت على السماح لها بالدخول إلى المنطقة، لتتفقد منزلها وإخراج بعض متعلقاتها الشخصية. «فما كان مني إلا أن حمّلتها رسالة إلى قائد المجموعة المسلحة، وهو سوري، مفادها رغبتنا في وقف إطلاق النار ليتاح سحب جثث الطرفين»، يضيف الضابط.
غابت السيدة لبرهة من الزمن ثم عادت لتطل من بعيد، وهي تجر خلفها لوحاً معدنياً عليه جثمان الجندي الشهيد وتسلمه للضابط، وعندما همّت السيدة لتعود أدراجها لتطمئن على منزلها، حمّلها الضابط رسالة أخرى كانت هذه المرة عبارة عن سُبحة مكتوب عليها أسماء الله الحسنى هدية لقائد المجموعة المسلحة قائلاً له: إن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا.
بعد مضيّ فترة من الزمن على تلك الحادثة، كسر الرجلان حاجز الرصاص ليتبادلا من بعيد حديثاً عن «عبثية مواجهة السوري لأخيه السوري»، ويخلص الضابط في حديثه إلى أن «المشكلة في النهاية تكمن في موقف المقاتلين الأجانب والسوريين المنضوين تحت عباءة المشروع التكفيري، الرافضين لأي حوار بين السوريين، بدليل مجاهرتهم علانية برفض مشاريع المصالحات في بعض المناطق، وقتلهم كل من يسير في ركابها». وهذا ما يفسر إصرار قيادة الجيش على مطلبها الدائم في جميع مشاريع المصالحات بطرد المقاتلين الأجانب، وإخراجهم من المناطق التي تشملها المصالحات.
ما كان يصوره الإعلام منذ بداية الأزمة كمحرمات، سقط مع أول مصالحة طبقت على أرض الواقع في منطقة برزة البلد في دمشق. هناك كان مستخدمو طريق برزة ــ التل من المدنيين، يسألون أنفسهم بحسرة وألم، وهم يمرون على حواجز الطرفين التي لا يفصل بينها سوى بضعة أمتار: إذا كان بإمكانهم أن يتلاقوا بعضهم مع بعض هكذا، فلماذا فعلوا بنا ما فعلوه؟
يصنف الدكتور سليم خراط، المنسق العام لائتلاف قوى التكتل الوطني الديمقراطي ومستشار اللجنة المركزية للمصالحة الشعبية، المسلحين إلى سبع فئات رئيسية، تبدأ بـ«فئة قوت الدم، ثم فئة ليس لديها ما تخسره، وفئة تعشق الزعامة، وفئة انساقت مع محيطها المسلح، وفئة تحمل حالة ثأرية وتأثرت بالإعلام، وفئة التكفيريين، وفئة تحمل مشروعاً خارجياً وتعيه جيداً»، وعلى ذلك فإن المبادرة إلى التواصل مع شريحة من المسلحين والتحاور معهم يمكن أن تخلص إلى نتائج إيجابية، ففي النهاية هؤلاء ليسوا من «طينة» واحدة في دوافعهم لحمل السلاح. وهذا ما حدث فعلياً على الأرض في أكثر من مكان عندما جلس ضباط في الجيش السوري على طاولة واحدة مع بعض قادة مجموعات مسلحة لبحث سبل التوصل إلى تسويات معينة تحقن دماء السوريين، وتوقف حالة الدمار المصاحبة للحروب عادة. ويذهب خراط في حديثه مع «الأخبار» إلى حد المطالبة بـ«التركيز على ضرورة التواصل مع قيادات المسلحين، وبالأخص المسؤولين عن المجموعات الصغيرة، كونهم يمكن أن يجروا مجموعاتهم إلى التسوية، وكذلك يمكن أن يكونوا قناة اتصال آمنة وعنصر ثقة لقياداتهم التي تعيد النظر وتفكر في ممر آمن للعودة الى حضن الوطن، وهذا لا يمكن أن يحققه إلا وطنيون وسطيون اعتداليون توافقيون لديهم الجرأة والشجاعة بالإقدام على هذه المواجهة... وهم متوافرون وبكثرة وأهلاً لهذه المواجهة، والأمثلة كثيرة».
لكن هذه «الطلاقيات» الجديدة التي يجهد البعض لفتحها ولتكون بديلاً من الرصاص والقتل والتدمير، ثمة من يسعى جاهداً أيضاً لإغلاقها أو تحويلها إلى «طلاقيات» للرصاص تحقيقاً لمصالح متعددة قد تكون شخصية تغلفها مكاسب الحروب أو سياسية مرتبطة بأجندة أصبحت متعددة المرجعيات، إذ إن معظم المناطق التي دخلت دائرة المصالحات تشهد بين الفينة والأخرى محاولات لنسفها عبر خرق اتفاق التسوية ووقف إطلاق النار.
الكاتب والصحافي سعيد هلال الشريفي ينظر إلى المسألة من إطارها العام، فيقول: «بحلول الشتاء الرابع على نكبة السوريين، تتفاقم الأزمات، وتتعقد أوجه معالجتها وتتضاءل فرص الحلول السلمية كلما توسعت رقعة ميادين الحرب ودخلت على الأزمة عناصر جديدة لم تكن داخل المشهد في البداية. الكل يتسابق على تحقيق ما يمكن من المكاسب. بعضهم عبر رفع سقف المطالب من فوق المنابر الإعلامية، والبعض الآخر عبر إطلاق العنان لأسلحته الثقيلة، سواء منها البدائية المبتكرة في ورشات الخراطة المعدنية، أو العابرة للحدود».
وأضاف في حديثه إلى «الأخبار»: «الحروب التي تختلط فيها الأيديولوجيا بالبزنس تلوث نفوس البشر، ويغدو كل ما كان ثميناً يباع بابتذال على قارعة الطريق... حين تغلق كل ملفات الاقتصاد والأعمال، تُطلق فرص السلام الجدية، ويؤتى بعجلة الدبلوماسية إلى واجهة الفعل».
على إحدى جبهات مدينة حلب، وبعد نحو عامين من مهمته هناك، يخلص أحد الضباط إلى القول: «في كثير من فترات الهدوء كنت أتجول وأتنقل رغم علمي أنني في مرمى نيران الطرف الأخر، وهم كذلك كانوا في مرمى نيراننا... لا أقول إنني كنت مطمئناً بشكل كامل، لكن أيضاً لم أكن حذراً إلى درجة التخفي، فاقتناعي يقول إن شعرة معاوية الطويلة لم تنقطع بعد مع بعض حملة السلاح من السوريين».