وسط انعدام التحرك العربي والدولي، في مشهد بالكاد تخرقه البيانات ومتابعات منظمة «اليونيسكو» للأوضاع، واصل تنظيم «داعش» في الساعات الأخيرة تدمير المقنيات والمواقع الأثرية في مدينة الموصل وفي محيطها، حتى وصلت الأمور إلى حد محاولة محو معالم مدينة الحضر التي يعود تاريخها إلى نحو ألفي عام.

وتعتبر آثار بلاد ما بين النهرين من بين أهم ما اكتنزه عالم المشرق على امتداد العصور، برغم طغيان المعالم الدينية «المقدّسة» على غيرها ضمن المنطقة راهناً. وبعد نسيان طويل، استعادت آثار الأرض العراقية أهميتها عالمياً بفعل الاستكشافات التي وقعت، تحديداً، خلال القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي أعقبتها عمليات نقل معالم أثرية إلى مراكز عالمية، واستمرت بأشكال مختلفة حتى ما بعد «غزو 2003».

وقال مسؤولون، أول من أمس، إن عناصر من تنظيم «داعش» دمروا أطلال مدينة الحضر. وقالت وزارة السياحة والآثار العراقية إنها تلقت تقارير من مدينة الموصل تفيد بأن الموقع الأثري في الحضر دمر يوم السبت. ولمّح مسؤول في الوزارة إلى أنّ من الصعب تأكيد التقارير وأن الوزارة لم تتلق أي صور توضح حجم الدمار الذي لحق بمدينة الحضر التي أدرج اسمها ضمن مواقع التراث العالمي عام 1987. لكن أحد سكان المنطقة قال لوكالة «رويترز» إنه سمع دوي انفجار هائل في وقت مبكر صباح يوم السبت وإن آخرين في مناطق قريبة ذكروا أن مقاتلي «داعش» دمروا بعض أكبر المباني في الحضر وأنهم يدمرون مناطق أخرى بالجرافات.

وزير السياحة والآثار يدعو
«التحالف الدولي» إلى حماية المواقع الأثرية

وتقع الحضر على بعد نحو 110 كيلومترات إلى الجنوب من الموصل. وكان المتشددون قد بثوا مقطع فيديو قبل أسبوع ظهروا فيه وهم يحطمون تماثيل ومنحوتات في متحف المدينة حيث توجد قطع أثرية لا تقدر بثمن وتعود للحقبتين الآشورية والهلنستية قبل ثلاثة آلاف عام. وهاجم «داعش»، كذلك، أطلال «مدينة نمرود» الآشورية جنوبي الموصل يوم الخميس الماضي بالجرافات. وتعود الحضر إلى الإمبراطورية السلوقية قبل ألفي عام، التي سيطرت على جزء كبير من العالم القديم الذي غزاه الإسكندر الأكبر. وتشتهر بمعبد الأعمدة الذي يمزج فن العمارة اليونانية والرومانية بالعمارة الشرقية. وقالت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إيرينا بوكوفا، إنّ «تدمير الحضر يمثل نقطة تحول في الاستراتيجية المروعة الحالية للتطهير الثقافي في العراق». وأضافت بوكوفا، في بيان مشترك مع المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عبد العزيز بن عثمان التويجري: «هذا هجوم مباشر على تاريخ المدن العربية الإسلامية، ويؤكد دور تدمير التراث في الدعاية للجماعات المتطرفة».
وكانت بوكوفا قد رحبت، في بداية الشهر الحالي، ببيان مجلس الأمن الدولي الذي يدين فيه الاعتداء الذي تعرض له متحف الموصل، مشيرة إلى أنّ «البيان الذي أصدره مجلس الأمن إنما يُعتبر دعوة قوية لوحدة المجتمع الدولي إزاء التدمير المأساوي الذي لحق بتراث فريد لا يُعوض بالنسبة إلى الإنسانية جمعاء». وأضافت أن «أعضاء مجلس الأمن أكدوا من جديد الارتباط الوثيق بين تدمير التراث الثقافي في الموصل وبين اضطهاد الشعب هناك. فالأمر يتعلق بذات الاستراتيجية القائمة على بث الذعر، ومن ثم فعلينا أن نواصل الكفاح ضد هذه الممارسات من خلال تآزر جهودنا في جهد شامل».
وفي ظل انعدام الإمكانات لدى الدولة العراقية لمواجهة ما يجري في شمال البلاد، دعا وزير السياحة والآثار العراقي عادل فهد الشرشاب، أمس، «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن، إلى حماية الآثار. وقال للصحافيين: «السماء ليست بيد العراقيين... وبالتالي على المجتمع الدولي أن يتحرك بالآليات الموجودة عنده». ورداً على سؤال عمّا اذا كان يدعو «التحالف» لحماية الآثار، أجاب: «أطالب المجتمع الدولي بأن يفعّل غاراته الجوية لاستهداف الإرهاب أينما وجد». وأشار الشرشاب إلى أن مدينة الحضر «موقع قصي في الصحراء بالإمكان مشاهدة السيارات والآليات التي تدمره بشكل واضح، وبالإمكان رصدها». وسأل: «لماذا لم يتم هذا؟... بالإمكان كشف أي تسلل له (الموقع) وكان متوقعاً تدميره. بالإمكان مشاهدة من يأتي ومن يدمر». وأوضح الشرشاب أن السلطات العراقية لم تتأكد بعد من مصير الحضر. وقال: «تناقلت لنا الأخبار (من تقارير صحافية) ومن ناس محليين، أما تأكيد رسمي من مصدر رسمي، (من) مسؤول أو موظف، فلم يتوافر» بعد.
وتتشعب أهداف تدمير الآثار لدى تنظيم مثل «داعش»، فيما يرى خبراء أن التنظيم يدمر الآثار التي لا يمكن نقلها نظراً إلى حجمها ووزنها، ويقوم في المقابل بتهريب أخرى وبيعها لتمويل نشاطاته. وكان مجلس الأمن قد أصدر في شهر شباط الماضي قراراً يهدف إلى تجفيف مصادر تمويل التنظيم، ومنها تهريب الآثار وبيعها.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)