كان والدي _طيب الله ذكره_"ثورجيّاً فوضويّاً على طريقته _ او على حد قول اخواننا المصريين "غلباوي"، ولانه لا يلتزم القوانين، الاَ ما ندر، فقد كان دائم الدخول الى السجن والخروج منه، وكما يقول المثل الفلسطيني "سرّي مرّي"، وكان غالباً ما يُسجَن لانه يصطاد السمك بـ"الديناميت" ليعتاش ويربي اولاده، وكانت الدولة اللبنانية واجهزتها تتشدّد في هذا الامر نظراً للخراب البيئي الذي يخلّفه، ولا سيما على صعيد "قتل بزرة السمك" اي "الاسماك الصغيرة والبيوض"، ما يُسهم في القضاء على"الثروة السمكية". وفي احدى المرات، وقد كان والدي سجيناً في "سجن القبّة" بطرابلس، أُدخل شاب يافع في مقتبل العمر الى "غرفته" وكانت تُسمّى آنذاك "القاووش"، ومن الطبيعي ان "الصغير" عادةً يعرف "الكبير" وخاصة ان والدي كان ذا صيت وسمعة وهيبة وموصوفا بالشجاعة والاقدام و"مشهورا" ومعروفا بين غالبية ابناء المخيم، ان لم اقل مخيمات لبنان برمتها، فكان ان اقترب منه الشاب وناداه باسمه قائلاً :"كيفك عمي ابو عدنان؟". وعرّف والدي عن نفسه بانه فلان ابن فلان". ولان السجون كالبحار "السمكة الكبيرة فيها تاكل السمكة الصغيرة" ولانه "ابن المخيم" وتربط والدي بوالده علاقة "مخيماتية" فقد قرّبه اليه خوفا عليه من بطش "غيلان" و"حيتان" السجون ومحاولات "استغلاله" وتسخيره للخدمة. ومن البديهي ان تتوطّد العلاقة بينهما يوماً بعد الاخر، ولاسيما ان الشاب كان ذا همّة ونشاط ويسهر على راحة والدي من حيث القيام باعباء جلب "الاروانة"، اي طعام السجن، وتنظيف "اليطأ" اي "الفراش"، الى ان حان موعد الافراج عن الشاب الذي يبدو ان جرمه كان اخف من جرم والدي ولم يبقَ طويلاً في السجن.


وليلة خروجه قال لوالدي :"عمي ابو عدنان...اذا سمح امرك بدي استعير "كندرتك" (حذاءك) اروَح فيها على البيت، لانه جرى اعتقالي بالحفاي (شحاطة) وقد خربت هنا وليس لدي ما انتعله اثناء الخروج". ووعده انه سيزوره بعد يومين ليرجعها له مع "اوقيّة دخان عربي". فكان ان وافق والدي، الطيب القلب. وقال له: "لا تعذب نفسك بزيارتي ولكن اذهب الى البيت واعطيهم "الكندرة" وخالتك ام عدنان تحضرها لي في الزيارة المقبلة". واوصاه بعدم ارسال "دخان" لانه لا يحتاج إليه اطلاقا، لأن لديه منه ما يكفيه ويزيد، اذ ان "ام العيال" لا تبخل عليه بكل ما يحتاج إليه ولو حرمت نفسها واولادها.
غادر الشاب السجن، وفي كل زيارة لوالدتي كان والدي يسألها :"هل حضر فلان واحضر "الكندرة"؟ فيكون جوابها بالنفي القاطع. والحقيقة انه كانت لـ"الكندرة" قيمة معنويّة عند والدي، فضلا عن انها في تلك الايام تعادل "ثروة" من حيث ثمنها بالنسبة إلى احوالنا. وكان "ابو زيد خالو" من يحصل على واحدة منها، وقد وثق بالشاب والمثل يقول: "من أمّنك لا تخونو ولو كنت خوّان"، وقد يكون "زعل" والدي وغضبه مردّهما الى ان شاباً في مقتبل العمر قد "استغفله" و"استغباه" و"ضحك عليه" و"لطش الكندره".
وخرج والدي من السجن بعد اشهر، غير ان قصة "الكندرة" لم تغب عن باله، لكنه تحاشى ان يذهب الى منزل الشاب ليسأله عنها، لانه يرى ان في الامر اهانة كبيرة له، وكانت "الثورة الفلسطينية" في بدايات حضورها الى لبنان بعد المجازر التي افتعلها النظام الاردني بالفلسطينيين هناك، وكان "العمل الفدائي" في اوج تألقه. وشأن والدي كان شأن غالبية الفلسطينيين، فقد انتمى الى أحد "التنظيمات".
وفي احد الايام، أبلغ والدي ومعه جميع العناصر والمقاتلين وقوات الميليشيا، بضرورة "مسح" وتنظيف السلاح الفردي لان القائد العسكري سوف يحضر للكشف ويعاين مدى "نظافة الاسلحة. وقد حرص والدي على تنظيف سلاحه "الماو" وفتح "ورشة عمل" في البيت واستعان بالمازوت والزيت من اجل ازالة الصدأ وتلميعه استعداداً لحضور "القائد". الاخير حضر في اليوم الموعود بـ"زيطة وزمبليطة، وجاي يا غلمان جاي"، تقله سيارة عسكرية حديثة الطراز ومعه جهازمرافقة و"الذي منه". ذُهل والدي حين وقعت عيناه على "الرفيق القائد" الذي اتعب نفسه وارهق ذهنه وشغل عائلته برمتها وهو يقوم بتنظيف السلاح استعداداً للقائه المنتظر، فاذا به الشاب "سارق الكندرة"، فما كان من والدي الاً ان صرخ بالحضور: "ان ثورة يصبح فيها سارق الكنادر قائداً عسكريّا لن تنتصر". ثم اردف غاضبا "هذا سلاحكم...ولكم ثورتكم ولي ثورتي"!
والدي الحبيب: ليت سرقاتهم توقفت عند حدود "كندرتك". فهم قد سرقوا الثورة...وصادروا دماء الشهداء واستعاضوا عنها بالمفاوضات. عذابات الاسرى بدلوها امتيازات شخصيّة وشققا فارهة يركنون امامها "رانجاتهم!
ولكن يا والدي الطيب، وعدني حفيدي عثمان الذي لم تره، انه سيستعيد منهم كل ما سرقوه ونهبوه و"لطشوه" حتى "كندرتك". وقال انه سيستعيدها ليضرب بها وجوه نسل ذلك القائد سارق الكنادر.