كانت المرة الأولى لي –كطفلة- أرى أسناناً اصطناعية!

نادت علي جدتي "سودة": "يا بنت، ولك وينك؟ هاتيتيلي الكباية الحمرا اللي على المجلى". هممت بالذهاب الى المطبخ، فصرخت مجدداً: "ارمي الميات (المياه) منها، اغسليها وارجعي عبيها بس لنصها".
اعتقدت حينها انها تريد أن ترطب فمها بشربة ماء قبل النوم، فهي طلبت أن أملأ الكوب الى النصف فقط. وفعلاً وجدت الكوب البلاستيكي الأحمر، وملأته كما طلبت مني بدقة، فلا أحد من أحفادها كان سيجرؤ على ارتكاب أي خطأ. أخذته من يدي ثم تمتمت: "وين رشة الملح"؟

هي لم تطلب مني شيئاً آخر غير ملء الكوب بالماء، وقالت إنها ستخلد الى النوم باكراً.
لماذا تريد "رشة ملح"؟ بالتأكيد لم أسألها، وان كنتم مكاني لما سألتوموها أيضاً. هرعت الى المطبخ مجدداً وعدت اليها بعلبة الملح، جمعت القليل بين السبابة والابهام ووضعته في الماء. ثم أخذت تدوّر الكوب بحركة دائرية خفيفة لتذيب الملح.
كنت واقفة بجانبها لأحافظ على وتيرة الاستعداد –كالجندي المتأهب- بحال طلبت شيئًا جديداً، وفي الوقت عينه، كنت أراقب كل حركاتها. وإذ بها تضع أصابعها على أسنانها وتخرج الجزء الأعلى ثم تسقطه في الكوب. توقف الزمن قليلاً عندي، كانت المرة الأولى التي أعلم بها أن الأسنان تتحرك وتخيلت نفسي أقوم بنفس الفعل.
عندما طردتني، عفواً، بعدما تدثرت بـ"الحاف" (بقيت لسنوات أعتقد ان ما نتغطى به اسمه "حاف بدل اللحاف) وقالت لي كالعادة :"أغربي عند أمك". خرجت من غرفتها الى الدار ثم تسلقت الدرج الى بيتنا. دخلت الحمام وجربت أن أخلع أسناني كما فعلت هي. لم أستطع، جربت كثيراً، بحثت عن زر أسفل حلقي، علّي أجده وأضغط عليه فتتحرك أسناني. وأخذت أحدث نفسي وأتخيل أنني أنظف أسناني بالفرشاة والمعجون بين يدي، ثم أعيدهم داخل فمي. لم أفلح في شيء.
نمت وأنا أفكر في المشهد ذاته. استيقظت باكراً وكررت المحاولة، لا شيء البتة! نزلت بسرعة على الدرج وفتحت باب غرفتها، أحست علي، رفعت نفسها قليلاً لتسند ظهرها إلى خشبة السرير وقالت: "عزا ولي متل القردة، شو اللي فيقك قبل الضو"؟ بقيت صامتة، فطلبت مني أن أناولها الكوب الأحمر ذاته الذي فيه أسنانها من على الطاولة. بسرعة البرق أحضرته، والآن أريد أن أراقبها بتركيز أفضل من الليلة الماضية. أخذت صف الأسنان بين أصابعها وثبتتهم داخل فمها. كيف فعلت ذلك؟ لم تقم بأي حركة سحرية او خفية.
"سودة" ليس لديها أسنان حقيقية! ان أسنانها هذه اصطناعية! هكذا أخبرتني أمي. فإذاً، ما فعلته ليس سحراً او من احدى قواها الخارقة، بل ضعفاً أصابها مع الكبر، لم يعد لديها أسنان فوضعت "وجبة". الدهشة الكبرى تجسدت في استيعابي لفكرة أن "سودة" بدأت تضعف وتكبر. بالرغم من أنها المسيطرة على كل بيوت أبنائها وتحركات أحفادها، الا أنها "لن تبقى جبارة الى الأبد"، على حد قول أمي. يبدو أن "سودة" افتعلت الكثير لأمي من مشاكل ومضايقات.
(يتبع)