في تموز 2012، جلس صالح مسلم مع صديق له في مقهى دمشقي. سأله الصديق عن الحراك الكردي في الشمال السوري والاتهامات بالنزعة الانفصالية، فأجاب بأنه يتحرك في القامشلي وعامودا من أجل حجز مكان في دمشق. بعدها بأيام غادر الرئيس المشترك لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» دمشق للمشاركة في لقاء القاهرة للمعارضة السورية، ولم تطأ قدماه سوريا منذ ذلك الحين.


اختزل هذا الحزب (PYD) صورة الأكراد في سوريا، بانتشاره الشعبي الواسع وبفضل جناحه العسكري (وحدات حماية الشعب YPG) الذي ضمّ مقاتلين خبروا جبال قنديل التركية تدريباً وقتالاً. استقرّ وصف «حليف النظام» على أدبيات المعارضة (حتى الكردية منها) على الحزب، وكان «الجناح السوري» لحزب العمال الكردستاني دائم النفي لهذه الصفة.
«تربطه علاقة ملتبسة وغامضة مع النظام»، يقولون عنه أيضاً، كما تتهمه الأحزاب الكردية الأخرى (منضوية في «المجلس الوطني الكردي» تحت رعاية رئيس إقليم «كردستان العراق» مسعود البرزاني، وجزء من «الائتلاف» السوري المعارض) بأنه أقصى باقي التشكيلات واستفرد بالقرار الكردي بنشاطاته العسكرية و«البوليسية». الحزب منضو تحت إطار «هيئة التنسيق» المعارضة منذ نشأتها عام 2011، ومسلم نائب المنسق العام (حسن عبدالعظيم)، ويشارك على نحو شبه دوريّ في اجتماعات الهيئة (عبر «سكايب»). منذ سنة 2012، بنى الحزب هيكلاً إدارياً متيناً، استطاع عبره أن يحكم المناطق الكردية، عبر التحالف، أيضاً، مع بعض العشائر العربية وأقليات المنطقة (آشور وسريان).
في الخامس من كانون الاول عام 2013، أعلن الحزب مشروع «الادارة الذاتية الديمقراطية» في «روج آفا» («كردستان سوريا»)، وقسمها إلى ثلاثة كانتونات: كوباني (عين العرب)، والجزيرة (الحسكة)، وعفرين (في ريف حلب الشمالي). «هذا الاعلان نتاج طبيعي للوضع في المناطق الكردية، بعدما أصبحت من دون وجود رسمي للدولة بمؤسساتها وأمنها»، يقول مسؤولون في الحزب.
«الإدارة الذاتية» لم تكتفِ بتسيير شؤون الناس، بل أقرّت، مثلاً، قانوناً للتجنيد الإلزامي («واجب الدفاع الذاتي») ورأت أنّ من حقها جلب سكان المنطقة إلى المعسكرات، ثم أقرّت قانوناً آخر عبر «منع المغادرة إلا بموافقة الأسايش (الشرطة)».
الصوت المرتفع الرافض لهذه «الإدارة» كان من جهة «الائتلاف» وأحزاب «المجلس الوطني الكردي»، وبالتالي إقليم كردستان العراق. لم يسمح الحزب بتشارك «السلطة»، رغم محاولات أربيل المتكررة عبر مؤتمريّ «هولير 1» و«هولير 2» لجمع أكراد سوريا تحت «مرجعية» واحدة. عملياً لا يوجد أي تنظيم كردي يستطيع المنافسة أو حتى المشاركة الفعلية، في ظلّ حزب جماهيري ـ رغم حداثة نشأته (2003) ـ له قاعدته التاريخية (المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) وتنظيمه الصارم.

تقاطع وتنسيق مع الجيش السوري

بعد وصول المعارك إلى مدينة رأس العين (سري كانيه بالكردية) في ريف الحسكة الغربي (تشرين الاول 2012) في مواجهة «الجيش الحر» وتنظيمات إسلامية أخرى، تواصل قادة محليون في الحزب الكردي مع مسؤولين سوريين رسميين. «قالوا إنهم مستعدون لحماية المدينة وكل مدن الشريط الحدودي مع تركيا (رأس العين، الدرباسيّة، عامودا، القامشلي، القحطانية، الجوادية، المعبدة، رميلان، المالكية، اليعربية) والتعاون الكامل مع الجيش السوري للقضاء على المسلحين»، يقول مسؤول سوري كبير في محافظة الحسكة. هذا الطلب أُتبع «بتوجيهات مركزيّة للجيش والشرطة والقوى الأمنية بتسليم كافة المفارز الأمنية والأقسام والقطع العسكرية على أساس الحفاظ عليها جميعها وحماية المناطق التي يقطنها الاكراد السوريون»، يتابع المسؤول. كذلك جرى الاتفاق على حماية مديرية حقول رميلان وكافة الآبار النفطية بعقد مقابل قرابة 50 مليون ليرة سورية لمدة عام في الربع الاخير من عام 2012، تروي مصادر سورية متابعة لـ«الأخبار».
بدأ العمل في عقد الحماية، ثمّ بدأ التنسيق مع الجيش السوري «الذي مدّهم بأنواع مختلفة من الاسلحة وتنفيذ غارات والمشاركة بعناصر الهندسة ومشاة أحياناً مقابل الحفاظ على كل مؤسسات الدولة تعمل بشكل طبيعي في تلك المناطق»، يقول مسؤول أمني سوري. «أولى بوادر مخالفة الاتفاق»، بحسب المسؤول، جاءت بعد رفض «تجديد العقد حول حقول رميلان واستثمارها لمصلحتهم من دون العودة إلينا، إضافة إلى معمل غاز السويدية، وهو أمر مكّنهم من تأمين كتلة مادية ضخمة يومياً أتاح لهم توسيع قوتهم البشرية من خلال جذب الشباب برواتب عالية».


خرائط كثيرة وضعت
منذ عشرات السنوات لـ«غربي كردستان» عادت إلى الرواج

لم يظهر الخلاف إلى العلن حينها «لأن التوجيهات كانت دائماً بالاستيعاب... واستمررنا في دعمهم بكل أنواع الذخيرة والسلاح والطيران في معارك اليعربية وريفَي رميلان والقحطانية، وكانوا يبدون مرونة مطلقة مع مطالبنا». بعدها تتالت الخطوات «غير المنسّقة»، كإعلان الإدارة الذاتية. شكّل PYD وزارات دفاع وداخلية ونفط وتربية وغيّروا في المناهج. حينها، عمل ممثلو الدولة السورية على التهدئة وعدم الاصطدام، لكن «الجماعة بدؤوا بالتوسّع في القامشلي والحسكة والاستيلاء على مؤسسات الدولة، وبدؤوا بالاستيلاء على محاصيل القمح والقطن من دون استئذان أو تنسيق»، يفيد قيادي عسكري سوري «الأخبار». لكن هذه «الإدارة» ليست وليدة الحرب السورية، بل «مشروع استراتيجي أقرّ في مؤتمر جبال كارَه في العراق عام 2010»، يؤكد مسؤول كردي لـ«الأخبار».
توالى الشرخ، لتظهر وفود أجنبية في مدينة القامشلي، كزيارة وزير الخارجية الفرنسي السابق برنارد كوشنير. «أصبحوا دولة مستقلة... فبدأنا بتهديدهم وقطعنا الذخيرة عنهم لفترة»، يقول المسؤول السوري.

معركة عين العرب: نقطة التحوّل

بعد هجوم «داعش» على مدينة عين العرب (كوباني) في أيلول 2014، عادت «وحدات الحماية» للتنسيق على نحو كبير مع المسؤولين السوريين. «أعطونا إحداثيات لريف المدينة استهدفتها الطائرات السورية، وعندما اقتربت المعارك من المدينة، ولقربها من الحدود مع تركيا، باتت حركة الطائرات محدودة. ومع ظهور التحالف الدولي عادوا إلى المماطلة والتهرب وعدم التنسيق، ولم يعودوا يلحّون كثيراً»، يؤكد المسؤول السوري.
قيادي كردي يؤكد التنسيق الكامل مع قوات «التحالف». ويجزم بفعالية الضربات الجوية التي «مكّنتنا من تحرير كوباني والجزء الأكبر من ريفها». خلال المعركة، أكّد قائد «قوة البيشمركة» في المدينة، اللواء عبد القهار مجيد حاجي، أنّ عين العرب «لا تقل أهمية عن أربيل»، وذكر أنّ غرفة عمليات القوات المدافعة عنها تنسّق مع غرفة العمليات المشتركة لقوات التحالف الدولي في أربيل: «ننسق بشكل مباشر مع غرفة العمليات ونزود التحالف بإحداثيات المعركة ونقاط تمركز جهاديي التنظيم».
منذ انتهاء معركة عين العرب وجزء واسع من ريفها لمصلحة YPG، بدا أن «أكراد الشمال» يبحثون عن «كوباني 2» و«كوباني 3»... لم يختلف التنسيق مع «التحالف»، كانت الغارات تصبّ حممها على مدينة تل حميس وريفها، لتسيطر «الوحدات» على معقل من معاقل «داعش» في ريف الحسكة، ولتتمدد هذه السيطرة على شريط من القرى، إضافة إلى بلدة تل براك الاستراتيجية. العمل الميداني في محافظة الحسكة أظهر تقاطعاً كبيراً مع إقليم «كردستان العراق». بعد مشاركة «البيشمركة» المحدودة في معارك عين العرب، كان العمل المشترك مع الاكراد العراقيين أوسع في المنطقة الحدودية مع العراق. كانت قوات «البيشمركة» المرابطة في سنجار العراقية تمهّد بقصف مدفعي على ريف تل حميس السوري، و«التحالف» يقصف جوّاً و«الوحدات» تتقدّم.
«اليوم العلاقة جيدة ومعقولة مع (مسعود) البرزاني... هي أفضل من أي وقت مضى رغم الخلافات التاريخية»، يؤكد القيادي الكردي والمتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي في أوروبا نواف خليل. ترابط الجغرافيا وخطر «داعش» يسهّلان التقاطعات والتحالفات، يضيف خليل لـ«الأخبار». في دمشق تحليل آخر. فباعتقادها المسألة أبعد من تقاطعات آنية. الصورة، هناك، تتلخص بـ«توجيه أميركي لأكراد العراق بدعم الـYPG، وتنسيق مع تركيا لفتح حدودها وإيصال شحنات السلاح». وهم بذلك «يستفزون الحكومة السورية... كذلك استفادوا من المعارك إعلامياً بشكل كبير، وأوصلوا رسالة إلى حلفائهم الجدد أنهم بعيدون عنّا ومستعدون لتطوير علاقتهم مع الغرب»، يروي مسؤول سوري.
مسؤول آخر تابع «الملف» عن كثب وكان (وما زال) على تنسيق مع YPG، يقول لـ«الأخبار»: «ماذا يعني أن يقطع مسؤولو الإدارة الذاتية الحدود التركية من الحسكة باتجاه عين العرب، في وقت وصف فيه (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان الحزب الكردي بالإرهابي؟ هناك شيء غير واضح، ويبدو أنهم يتبعون سلوكاً يرضي أميركا وحلفائها». يضيف: «بدأوا يعيشون حلم الحكم الذاتي أو حتى الانفصال، لذلك لم يعودوا يهتمون بالتنسيق معنا والمساعدات تغدق عليهم».
نواف خليل يرى أنّ العلاقات لم تكن يوماً جيدة مع دمشق، قبل الحرب أو خلالها. ويوضح أكثر: «مجنون من ينتظر شيئاً من النظام (السوري)». ابن القامشلي يؤكد أنّ «تقاطعاً في منطقة ما (مع الجيش السوري) لا يعني تواصلاً دائماً ولا تحالفاً»، خصوصاً أن المعركة مع الارهاب هي على الجميع، وحماية أبناء الحسكة والجوار أولوية. «إيران لها دور سلبي جداً في سوريا»، يضيف الرجل الذي يجزم بأن طهران لن تسمح بكيان كردي في سوريا.
قيادي في المعارضة السورية على تواصل مع الحزب الكردي يلاحظ «انتفاخاً» زائداً عند أصدقائه. «حزب سوري متمركز في بقعة جغرافية محددة يملك أسطولاً جويّاً خارقاً (في إشارة إلى طائرات التحالف الدولي)»، يصف حزب «الاتحاد» الذي يعيش «نشوة ما بعدها نشوة» بسبب الأبواب الدولية المفتوحة.
العلاقة المتذبذبة بين أكراد سوريا والدولة منذ بداية الحرب تعطي انطباعات مختلفة عند مسؤولي الطرفين، إذ لا تزال هناك اختلافات في قراءة «الملف الكردي».
اليوم أكراد PYD لم يقطعوا شعرة معاوية مع ممثلي الدولة السورية في الشمال. وذلك محكوم أولاً بتقاطع مصالح أمني واقتصادي، يتمظهر مثلاً في جزء من ريف القامشلي حيث نفذت عملية مشتركة لإعادة السيطرة على تل غزال وأبو القصايب في 23 كانون الاول 2014، واستعاد كل طرف نقاطه السابقة. في مدينة القامشلي تتوّزع السيطرة في تفاهم واضح المعالم، كذلك في مدينة الحسكة رغم الخروقات التي وصلت حدّ الاشتباك. اليوم، يعتقد بعض الأكراد أن الفرصة سانحة لقطف فرص صنعتها تقاطعات إقليمية ودولية، تبدأ من إعجاب الغرب بالقوة العسكرية لـ«الوحدات» وتنتهي بـ«الصفقة/ الاتفاق» التاريخية المنتظرة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية مع دعوة زعيم الحزب عبدالله أوجلان من معتقله محازبيه إلى رمي السلاح والانخراط في النضال السياسي والسلمي.
المنطقة في شمالي شرقي البلاد لا تزال «رمادية». خرائط كثيرة وضعت منذ عشرات السنوات لـ«غربي كردستان» عادت إلى الرواج. الدولة السورية تقول إنّ شريطاً كردياً من الحدود العراقية إلى الاسكندرون غير واقعي لعدم وجود ترابط ديمغرافي كردي، حيث تسكن عشرات آلاف من «المكونات» الأخرى. مسؤولون أكراد، بدورهم، يسكتون لبرهة بعد السؤال عن «الانفصال». الحماسة عند بعضهم والمعنويات المرتفعة عند قادة عسكريين تظهر بوادر أمل بـ«ربيع كردستاني» في الشمال السوري. يرون أنّه حقّ مشروع عُمّد بالدم. مسؤولون آخرون، يرفضون ذكر أسمائهم أيضاً، يصنفون أنفسهم بالواقعيين. يسعون لتحصيل الحدّ الأقصى، لكن يرون أنّ الرضى الرسمي السوري عن إدارة محلية للأكراد وصلاحيات مقبولة أمر أساسي ومدخل حتمي لنجاح المشروع الكردي.




أبواب أوروبا

«أين هزمت داعش بهذا الشكل؟». سؤال يطرحه نواف خليل، ليؤكد أنّ لقاء قادة في الـPYD مع مسؤولين غربيين أمر يجب أن يكون مألوفاً. في 12 تشرين الأول أُعلن عن أول لقاء بين السفير الأميركي في سوريا، دانيال روبنشتاين، وصالح مسلم (الصورة) في باريس. اللقاء لم يكن الأول بين الطرفين، وليس الأخير حسب خليل. ثم «دَشّنت» باريس الانفتاح الرسمي على أكراد سوريا، بعد استقبال الرئيس فرنسوا هولاند لوفد من «حزب الاتحاد الديمقراطي»، ضمّ الرئيسة المشتركة للحزب آسيا عبدالله، والقيادية في «وحدات حماية الشعب» نسرين عبدالله. «باريس تسبق واشنطن بأشواط في ما يخصّ الانفتاح على قضيتنا، وتأخرّ الاعلان الأميركي عن لقاءاتنا التي طالما تأجّلت مراعاة لحليفتها تركيا»، يروي خليل. الأخير، ومسؤولون أكراد آخرون، يفهمون جيداً الحاجة الغربية إلى ذراعهم العسكرية بعد الفشل المتراكم في خلق «جيش من المعارضين المعتدلين»، لذا يعتقدون أن الغرب يحتاج إليهم أيضاً وليسوا مجرّد ورقة في المنطقة.



مسار أوجلان

في تشرين الاول الماضي، حذر عبدالله أوجلان من أنّ عملية السلام مع الدولة التركية ستنتهي إذا سُمح لـ«داعش» بارتكاب مجزرة في «كوباني». هذا التصريح أظهر الترابط الجدي في علاقة أنقرة مع أكراد تركيا وسوريا. «هناك بوادر إيجابية من الحكومة التركية»، بحسب القيادي في PYD نواف خليل. لكنه يؤكد أنّه «لا يمكن لأي عاقل أن يصدق الكلام التركي من دون انتظار الأفعال». هذه الأفعال ظهر، في الحد الأدنى، جزء يسير منها، كالسماح بإدخال قوات من «البيشمركة» عبر الحدود التركية، ثمّ عملية «سليمان شاه» التي نفذت بتنسيق كامل مع «وحدات حماية الشعب»، لتتوّج بتلاوة دعوة أوجلان إلى إلقاء السلاح، قبل أيام، على الهواء مباشرة للمرة الأولى. أيّ حل أو انفراج في المسألة الكردية في تركيا سيؤثر مباشرة على أكراد سوريا، ما يعني أنّ مساراً جديداً انطلق، ووضعت له أسس جديدة، بغضّ النظر عن المحطة النهائية لهذا المسار.