الجزائر | أجواء صعبة تعيشها السلطة في الجزائر بعد تطور الاحتجاجات في الجنوب ضد استغلال الغاز الصخري إلى مواجهات مع رجال الأمن، خلفت جرحى وتخريباً للممتلكات العامة والخاصة، ما استدعى تدخل الجيش. ورغم عودة الهدوء الحذر، فإن الوضع بالنظر في تصريحات أطراف النظام وأحزاب المعارضة، يوحي بأن أمراً ما سيحدث، ليس على الجنوب فقط، بل سيشمل البلاد كلها.

الصدامات التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي في الجنوب الجزائري، استجلبت من السلطة خطابات تحذيرية وأخرى مهدئة، بين ترهيب وترغيب، كذلك انحصر حديثها في اتهام، كالعادة، ضد الأيادي الأجنبية بالتواطؤ مع المعارضة في الداخل من أجل انزلاق الأوضاع في الجنوب إلى ما حدث.

ولاحتواء الوضع، سارع رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، باعتباره وزير الدفاع، إلى توجيه تعليمات لقيادات عسكرية بالانتقال إلى الجنوب. وأعلنت وزارة الدفاع، في بيان أمس اطلعت عليه «الأخبار»، أنه تنفيذاً لتعليمات القيادة العليا، زار قائد الناحية العسكرية السادسة في الجيش الوطني الشعبي، اللواء عثامنية عمار، مدينة عين صالح الجنوبية، وكان له لقاء مع ممثلي المجتمع المدني وأعيان المنطقة، استمع خلاله إلى مطالبهم. ودعا عمار المجتمعين إلى «تغليب العقل وروح المسؤولية ودعم جهود التهدئة وتفادي أعمال التخريب أو الدخول في مواجهات مع القوات الأمنية».
استدعاء الجيش لمنع الأمور من التدهور أكثر كشف عن جانب من إخفاق السلطة في احتواء الوضع، ثم فسح المجال للمؤسسة العسكرية التي تعتبر «الرقم المهم في معادلة النظام الجزائري» في تهدئة الأجواء.

نُشرت قوات عسكرية قرب حقول النفط من أجل حمايتها

الرجل الثاني في الدولة ورئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، حذر من خطورة التمادي في تعريض البلاد للمخاطر عبر استخدام الشارع مسرحاً لاستعراضات سياسية. وأضاف أن هذه الممارسات إذا ما استمرت فإنها تصبح شكلاً من أشكال النشاط الذي يفتقر إلى روح المسؤولية.
ولفت بن صالح، في كلمة خلال افتتاح الدورة التشريعية أول من أمس، إلى أن «التاريخ سيكشف حقيقة أولئك الذين يختارون في هذه المرحلة زرع البلبلة وإشاعة اليأس، عبر التشكيك في الإنجازات والتسويق لتصورات مضللة وخيارات بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي».
وأشار إلى «محاولات بائسة تسعى إلى العودة بالشعب إلى عهد المحن والمعاناة»، محذراً من خطورة التمادي في تعريض البلاد للمخاطر عبر استخدام الشارع مسرحاً لاستعراضات سياسية، في إشارة واضحة إلى أحزاب المعارضة التي خرجت في 24 شباط الماضي، في مسيرات للتضامن مع سكان الجنوب. في المقابل، فإن هذه الاستعراضات، يضيف بن صالح، اصطدمت بوعي المواطنين برفضهم التجاوب معها.
أما القيادي في «الجبهة الإسلامية للانقاذ» المنحلة، أنور هدام، فرأى أن ما حدث من عنف في جنوب البلاد «يكشف عن الوضع المحزن والخطير في آن واحد الذي بلغته الجزائر». وشدد هدام، المنفي في الولايات المتحدة الأميركية، في حديث إلى «الأخبار»، على أن «وحدة التراب والشعب في خطر بسبب السياسات غير المسؤولة للنظام القائم، الذي أصبح بالفعل يشكل خطراً حقيقياً على البلاد وهنا اتحدث عن النظام ككل، وليس جهة دون أخرى».
ما يؤكد المخاطر حديث الرجل الثالث في الدولة ورئيس المجلس الشعبي الوطني (رئيس الغرفة السفلى للبرلمان)، العربي ولد خليفة، عن أن «الحوار بين الشركاء هو أحسن وسيلة لتحصين الجبهة الداخلية وحمايتها من التشتت والصراعات غير المجدية في محيط مضطرب». وشدد ولد خليفة، في حديث مع «الأخبار»، على أن «التوافق حول القضايا الأساسية، يعد أمر ضرورياً»، محذراً من أن «إضعاف المؤسسات الشرعية للدولة قد يؤدي بالبلاد إلى ما كانت عليه خلال التسعينيات، ويجعلها دولة فاشلة».
وبالنظر إلى ما فعلته المعارضة بنقل احتجاجات الجنوب إلى البرلمان ومقاطعة الجلسة الافتتاحية، رغم حضور رئيس الوزراء عبد الملك سلال وأعضاء الحكومة، يجعل الأوضاع تتجه نحو مزيد من التأزم، وخاصة مع تدحرج الأمور إلى مشادات مع رجال الأمن ووقوع جرحى واعتقالات.
لذلك ندد نواب المعارضة بالقمع الذي تعرض له سكان عين صالح، بدلاً من الاستماع إلى مطالبهم المشروعة، مشيرين إلى أن طريقة السلطة في التعامل مع احتجاجات الجنوب يكرس رفضها الحوار الجدي والمبادرات.
واللافت كان رد سلال بخصوص الأوضاع في الجنوب بعد انزلاق الأوضاع، حينما قال إن كل شيء على ما يرام، ووصفها بالمستقرة.
وبعد تدخل الجيش لتهدئة الأوضاع، سارعت وزارتا الداخلية والدفاع، بالتنسيق مع شركة سوناطراك النفطية، إلى اعتماد إجراءات مشددة في محيط حقول النفط والغاز في الجنوب. وكشف مصدر أمني لـ«الأخبار»، أنه نُشرت قوات عسكرية قرب الحقول في إجراء استباقي خوفاً من انتقال الاحتجاجات إلى تلك المواقع، وذلك بعد محاولة محتجين الوصول إلى محيط شركة «هاليبرتون» الأميركية التي تدير أحد حقول النفط في المنطقة.
وتعليقاً على ما يجري في الجنوب، اعتبر المتحدث الرسمي باسم «حركة أبناء الجنوب من أجل العدالة»، الحفناوي بن عامر غول، أن التصادم رغم سلمية الوقفات، واستعمال سياسة العصا والقوة مع كل صوت ينادي بحقوقه، هو «أمر خطير ومؤسف».
وحذر غول، في حديث لـ«الأخبار»، من أن استعمال القوة وتجاهل مطالب سكان الجنوب «أمر لا يمكن السكوت عنه، وهو دافع قوي للتحريض على العنف ودعوة للمواجهة بين المحتجين»، مبرزاً أن «الحكومة ما زالت في طريقة استعراضية تمارس المجابهة الأمنية عبر الاستعمال المفرط لعناصر الدرك والشرطة، وخلق عداوة بين المؤسستين والشعب». وأضاف: «علينا التحرك قبل أن ينتشر لهيب الاحتجاج وتعم نار الفتنة وتتوسع الاحتجاجات بين سكان الجنوب الكبير».
وتواجه الجزائر مرحلة صعبة للغاية قد تكون المنعرج الذي سيحدث عبره التغيير، في إن لم يجرِ تجاوز الأوضاع الحرجة. فبعد انهيار أسعار النفط وتوتر الأوضاع الأمنية في دول الجوار، ازداد الضغط على السلطة من طرف المعارضة التي تتحضر يوماً بعد يوماً من أجل إحداث ما تصفه بالانتقال الديموقراطي القاضي بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، لعدم شرعية المؤسسات الحالية، وفق وصفها.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكشف هل ستحمل تطورات فعالة مثل إحداث تغير سلس بضغط من المؤسسة العسكرية، وهو ما ستحاول السلطة تجنبه عبر الإسراع في إجراء تعديل حكومي لإسكات الأصوات المعارضة.