على طريق رئيسي يمتد في اتجاه الجنوب من بغداد، ترتفع عشرات المباني من السهول العراقية لتمثل أول عناصر مدينة جديدة تبلغ استثماراتها مليارات الدولارات في أرض اعتادت الحروب والأزمات، لا التنمية بما تحمله من وعود براقة.

ويبدو أي مشروع بناء حاول العراق إقامته منذ عشرات السنين قزما إلى جانب مشروع مدينة بسماية الجديدة، التي ترمي لاستيعاب نصف مليون نسمة في غضون أربع سنوات.
وتعلو الرافعات فوق عدد محدود من المباني السكنية المكتملة البناء كما تنقل عشرات الحافلات آلاف العمال عبر الموقع الذي تبلغ مساحته 18 كيلومترا مربعا، كما ينتج مجمع ضخم حوائط وأعمدة الخرسانة السابقة التجهيز.

ومن المزمع بناء مئة ألف وحدة سكنية في هذه القطعة القاحلة من الأرض التي تقع على مسافة 20 كيلومترا تقريبا من العاصمة العراقية التي لحقت بها أضرار الحرب وأصبحت شديدة الزحام بعدما كانت مفخرة للعراقيين.
ويؤكد الاستمرار في إقامة المشروع، حتى بعدما خسرت السلطات العراقية مساحات كبيرة من الأراضي لمصلحة المتشددين، والمليارات من دخل النفط من جراء انخفاض الأسعار، مدى طموح المشروع، وحجم العقبات التي يتعين التغلب عليها.
وترمي "شركة هانوا للهندسة والبناء" الكورية الجنوبية التي وقعت عقدا قيمته ثمانية مليارات دولار لبناء مدينة بسماية، لتسليم أول دفعة من الوحدات السكنية خلال الصيف المقبل. غير أنها اضطرت للتكيف مع التحدي الفريد الذي يفرضه العمل في العراق، فعدلت خطوط الإمداد بعد الهجوم الذي شنه تنظيم "داعش" في حزيران الماضي، وأدى إلى وقف شحنات الإسمنت.
كما أنها اضطرت إلى مواجهة مشكلة رحيل العمال الأجانب عندما تقدم تنظيم "داعش" لمسافة قصيرة من العاصمة. وأثار انخفاض إيرادات النفط العراقية شكوكا في قدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك إمدادات المياه للموقع الجديد.
وداخل حدود المدينة الجديدة التي تحرسها قوة أمنية خاصة، اضافة إلى قوات عسكرية مزودة بالسلاح، قال سانجسو كيم، وهو نائب رئيس "شركة هانوا"، إن المشروع متأخر عن الجدول الزمني بمقدار ستة أشهر. وتقضي الخطة باستكمال المشروع في عام 2019.
وقال وهو يقف أمام أول مجموعة يكتمل بناؤها من الشقق السكنية: "نحن نحاول اللحاق بما فاتنا في الجدول الزمني، غير أنه إذا لم يتحسن الوضع والظروف فسيكون من المحتوم أن يحدث تأخير لفترة من الوقت".

سنوات العراق الضائعة

ولا يختلف اثنان على الحاجة الملحة لإعادة البناء في العراق. وفي أعقاب اجتياح قوات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة العراق عام 2003 رفعت العقوبات الدولية التي فرضت على العراق بسبب "غزو" قوات صدام حسين الكويت عام 1990، جزئياً. غير أن حربا طائفية طاحنة عرقلت تحقيق الانتعاش الاقتصادي.
ففي العاصمة استخدمت الخرسانة في إقامة الحواجز الواقية من التفجيرات أكثر مما استخدمت في بناء الوحدات السكنية في ما يمثل دليلا ملموسا لسكان العاصمة البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة على السنوات الضائعة التي مرت على بغداد.
وقال سامي العراجي، رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار التي تقود مبادرة بناء الوحدات السكنية، "في السنوات الثلاثين الماضية لم نبن الكثير".
وأضاف أن العراق يحتاج إلى ثلاثة ملايين وحدة سكنية جديدة في السنوات العشر المقبلة، وقد أعدت الهيئة خططا لإقامة مدينتين أخريين في جنوب بغداد وخارج مدينة البصرة.
ويمتلئ مكتب العراجي في المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد بمطبوعات على ورق مصقول وتصميمات هندسية ومعمارية للمدن الجديدة، التي تضم مستشفيات ودورا للسينما وحوض سباحة أولمبيا ومساكن تطل على مسطحات مائية ومباني شاهقة الارتفاع كما في دبي وأبو ظبي وقطر.
وتشكو الشركات والأعمال من الفساد الواسع النطاق، ومن البيروقراطية المعوقة إلى جانب شكواها من الصراع. وقال العراجي "كنا وما زلنا اقتصادا موجها توجيها مركزيا. ونحن نتحرك بقوة صوب اقتصاد السوق، لكن ثقافة الاستثمار جديدة جدا في العراق".

مخاوف نووية

وتحاول الهيئة التي يرأسها العراجي تعويض السنوات الضائعة، فتسعى لجذب استثمارات أجنبية في الكهرباء لمعالجة عجز في الإمدادات يبلغ 12 ألف ميغاوات إلى جانب مصافي النفط وقطاعات النقل والاتصالات والصحة.
في قطاع البناء تعمل الهيئة والمؤسسات المحلية في المحافظات لتوفير ما يراوح بين 400 ألف و450 ألف وحدة.
ولضمان نجاح مشروع بسماية أكبر المشروعات الثلاثة عرضت الشقق بمقدم يعادل 6300 دولار فقط يمثل عشرة في المئة من الثمن الاجمالي لأصغر المساحات المطروحة، وتبلغ 100 متر مربع على أن يسدد الباقي على 20 عاما.
وتقل الأقساط الشهرية عن الحد الأدنى للأجور الحكومية، بما يجعلها في متناول الكثيرين. والشقق في بغداد أغلى ثمنا ويتعين على المشترين في العادة دفع الثمن كله دفعة واحدة.
وحتى في هذه الحالة وبرغم الترويج المكثف للمشروع على شاشة التلفزيون يتعين على المشترين المحتملين التغلب على مصدر قلق آخر. فعلى مسافة ستة كيلومترات إلى الغرب تقع أطلال مفاعل أوزيراك (تموز) النووي العراقي، الذي قصفته الطائرات الحربية الإسرائيلية عام 1981. ويعتقد بعض العراقيين أن الأرض المحيطة بموقع المفاعل ملوثة.
وفي بسماية حيث يعمل نحو ثمانية آلاف عامل منذ أشهر عديدة يسخر العمال من هذه المخاوف لكنهم يشيرون إلى مساوئ أخرى تهدد المشروع. فبرغم أن دفعة أولى من الشقق جاهزة لتسليمها إلى أصحابها بحلول الصيف، يقول العمال إنه لم يجرِ توصيل إمدادات المياه إلى وحدة التنقية ما يحول دون الإقامة في الشقق في الوقت الحالي.
ويواجه المشروعان الآخران في بغداد والبصرة، حيث من المقرر بناء 70 ألف وحدة سكنية، عقبات مماثلة. ويقول المسؤولون إنه لم يجرِ حتى الاتفاق على استخدامات الأرض في مشروع بغداد، وإن جانبا كبيرا منها ما زال قاعدة عسكرية.
وقال العراجي "اُنجز الكثير من العمل، لكن التنفيذ الفعلي على الأرض سيستغرق نحو ثماني سنوات".
(رويترز)