القاهرة | كما كان متوقعاً، قضت أعلى جهة قضائية مصرية (المحكمة الدستورية العليا) ببطلان قانون تقسيم الدوائر الانتخابية في الجمهورية، ما نتج منه وقف الانتخابات البرلمانية حتى إجراء التعديلات التشريعية اللازمة، وذلك قبل ثلاثة أسابيع من بدء أولى مراحل الاقتراع. المحكمة قضت بعدم دستورية نص المادة الثالثة من قانون تقسيم الدوائر، وخاصة في النظام الفردي، لكنها رفضت الطعون المقدمة ضد قانون مجلس النواب، إضافة إلى قانون مباشرة الحقوق السياسية الخاص بتحديد سقف الدعايات الانتخابية للقوائم الانتخابية بضعف المبلغ المخصص لمرشحي «الفردي»، كما من المقرر أن تنظر المحكمة يوم غد (الثلاثاء) في الطعن المقدم من الناشط القبطي مايكل منير، الذي يدفع بعدم دستورية البند الأول من المادة الثامنة لقانون المجلس، والذي يضع شرط الجنسية المصرية المنفردة للمرشح.


وكانت هيئة المفوضين قد أوصت في تقرير استشاري قدمته إلى المحكمة بقبول الطعن في عدم دستورية المادة لـ«أحقية المصري الحاصل على جنسية أخرى في الترشح للانتخابات، سواء كان مرشحاً عن المصريين في الخارج، أو عن إحدى الدوائر»، وذلك لتحقيق «كفالة الدولة تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز، بغض النظر عن الانتماء السياسي أو الجغرافي».
وفي رد فعل سريع، كلف الرئيس، عبد الفتاح السيسي، الحكومة إنهاء التعديلات القانونية في غضون شهر، لتتمكن اللجنة العليا للانتخابات من ممارسة عملها واستكمال العملية التي ستضطر اللجنة بموجب هذه التعديلات إلى إعادة فتح باب الترشح مرة أخرى بعد إقرار القوانين.

«الدستورية» توقف انتخابات البرلمان و«الإدارية» توقف انتخابات الصحافيين

وبموجب الدستور فإن على وزارة العدالة الانتقالية إجراء التعديلات اللازمة وإرسالها إلى قسم الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، الذي سيبدي ملاحظاته عليها من أجل إرسالها لاحقا إلى الحكومة لمناقشتها، ثم رفعها للسيسي من أجل إقرارها، الخطوات التي قد لا تنتهي خلال الوقت المحدد بشهر.
وزير العدالة الانتقالية، المستشار إبراهيم الهنيدي، الذي أشرف على وضع القوانين، أرجع قرار البطلان إلى عدم قبول المحكمة اجتهاد المشرع في صياغة القانون، إذ «حددت نسبة انحراف تصل إلى 20% وفقاً للتمثيل العادل للمحافظات والسكان الناخبين»، مشيراً إلى أن المحكمة قدرت بما لديها من سلطة أن تنقل التشريع إلى مربع جديد سيؤدي إلى توسيع الدوائر الانتخابية.
اللافت أن اللجنة القانونية، التي ألّفها الرئيس السابق عدلي منصور، وهو نفسه رئيس المحكمة الدستورية، ضمت مجموعة من فقهاء القانون في الجمهورية، من بينهم المستشار الدستوري وعضو المحكمة علي عوض، فيما يتعين إصدار قرار بتأليف اللجنة التي يحق لها إجراء التعديلات التي طلبتها «الدستورية»، بعدما انتهت مدة عمل اللجنة الأولى المؤلّفة في عهد منصور في شهر كانون الأول الماضي.
في المقابل، لم تتبن الأحزاب السياسية موقفا رسميا اتجاه قرار المحكمة الدستورية، مع أنها كانت صاحبة مطالب كثيرة بشأن تعديلات في القوانين، وخاصة في قضية القوائم، إذ ظلت حتى الأمس مكتفية بالصمت برغم الأضرار التي وقعت عليها ببطلان القانون، سواء المادية أو المعنوية، كما لم يصدر أي بيان يعقّب على واضعي القانون أو إدارة الدولة للملف برمتها، مثلما كان يحدث في الآونة الأخيرة.
مع ذلك، تعالت أصوات بعض الشخصيات العامة مطالبة بحصانة المراكز القانونية التي حصل عليها المرشحون، الذين قدموا أوراقهم بالفعل إلى لجنة الانتخابات، لكنه برأي كثيرين «حديث غير قانوني» يطعن في شرعية العملية الانتخابية مجدداً.
أما لجنة الانتخابات، فأكدت احترامها أحكام القضاء و«الدستورية العليا» في شأن إجراء الانتخابات البرلمانية، مؤكدة التزامها تنفيذ تلك الأحكام، على أن تعد جدولا زمنيا جديدا في أعقاب صدور التعديلات التشريعية التي تتفق وأحكام المحكمة، مع الوضع في الاعتبار «ما سبق اتخاذه من إجراءات في العملية الانتخابية»، في إشارة إلى احتمالية عدم إلزام اللجنة المرشحين الذين قدموا أوراقهم إعادة إجراء الكشف الطبي وغيرها من الإجراءات الروتينية.
في غضون ذلك، بدا الغضب الشبابي في أوساط الأحزاب، وخاصة بين من اتهم الدولة بأنها تتلاعب بالسياسيين منذ قرابة العام. يقول عضو الهيئة الاستشارية لشباب حزب «المؤتمر»، أحمد حرب، إن الأحزاب أذلتها بعض أجهزة الدولة وهددتها لتقبل «قواعد لعبة لم نكن راضين عنها»، مشيرا إلى أن الدعوى القضائية أنقذت البلاد من الفخ المنتظر أن تقع فيه الأحزاب، «لذلك يجب خوض ثورة سياسية لتغيير وضع القواعد الحزبية».
شاركه الرأي عضو الهيئة العليا لحزب «الوفد»، ياسر حسان، الذي وصف إدارة الدولة للملف السياسي بالفاشلة، مشيرا إلى أن الخريطة الانتخابية صارت «مبهمة». وتساءل في الوقت نفسه عن «مصير الأموال التي أنفقتها الأحزاب والمرشحون على الدعاية الانتخابية والتقدم إلى الكشوف... كما علينا المطالبة بإجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية، لتقليل النسبة التي سيحصل عليها التيار الديني».
ولم يخرج عن ذلك كثيرا رئيس حزب «الإصلاح والتنمية»، محمد أنور السادات، في مطالبته الحكومة "بإتمام التعديلات اللازمة بأقصى سرعة» لحاجة البلاد إلى "برلمان عاجل يتفاعل مع قضايا المواطنين ويراجع القوانين التى نص عليها الدستور». ووجه السادات نقدا شديد اللهجة إلى اللجنة التي وضعت قانون الانتخابات «لأنها مسؤولة عن هذا التخبط».
في سياق السباقات الانتخابية، قضت محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة بوقف انتخابات التجديد النصفي لمجلس نقابة الصحافيين، التي كان من المقرر إجراؤها الجمعة المقبلة على منصب النقيب وستة مقاعد بالعضوية، إذ قررت المحكمة إلزام نقابة الصحافيين إجراء الانتخابات على منصب النقيب وجميع أعضاء مجلس النقابة. واستقبل غالبية الصحافيين حكم المحكمة بغضب عارم، فيما أعلن النقيب، ضياء رشوان، اعتزام مجلس النقابة الطعن في حكم المحكمة صباح اليوم (الإثنين) أمام المحكمة الإدارية العليا، التي يكون حكمها واجب النفاذ، وتُعدّ آخر درجات التقاضي، علماً بأن المحكمة ستفصل في القضية سريعا، سواء بتأييد الحكم أو رفضه، وذلك لإجراء الانتخابات في موعدها.