القاهرة | رغم عدم إلزامية حكم إحدى المحاكم المصرية أخيراً باعتبار حركة «حماس» منظمة إرهابية، وكونه حكماً صادراً عن محكمة غير مختصة، بل إنه قابل للإلغاء من المحكمة الأعلى درجة، وفقاً لرواية القانونين، فإن توقيت صدوره لافت في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن تحرر مصر من مسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية. أيضاً جاء الغياب المصري عن إكمال المباحثات في الشأن الداخلي الفلسطني (حماس وفتح) من جهة، وبين المقاومة والاحتلال من جهة أخرى، ليصنع للقضية أبعاداً أخرى.


وبينما ظهر العداء لـ«حماس» جلياً على الصعيد القضائي والإعلامي، فإن الموقف الرسمي لم يتحدد بعد. لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية، السفير بدر عبد العاطي، قال لـ«الأخبار»، إن الدولة لم تتخذ أي «إجراءات عدائية ضد حماس»، وفي الوقت نفسه هي «ليست معنية بالطعن على أحكام القضاء ما دام الأمر يراوح نفسه في ساحات القضاء حتى يقول القضاء كلمته النهائية». وأضاف عبد العاطي: «مصر تربطها علاقات تاريخية قوية بطرفي القضية الفلسطينية، فتح وحماس، ومن الصعب اختراقها».
إن كان هذا الموقف الرسمي للدولة، فإن هناك رأياً آخر ينتشر بقوة، وتغذيه شخصيات محسوبة على النظام، ويقول إن «حماس» أحد أسباب الفوضى في سيناء. والغريب أن حيثيات الحكم الصادر أول من أمس، باعتبار الحركة منظمة إرهابية، لم يأت بتلك الحيثيات، لأن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة أخذت قرارها على قضية أقدم هي «المشاركة في اقتحام سجن وادي النطرون، والمساعدة في تهريب أعضاء جماعة الإخوان، وأيضاً قتل المتظاهرين في ميدان التحرير وقت الثورة»!
تلك الاتهامات ليست الأولى، فالمحكمة نفسها قضت العام الماضي لنفس الأسباب تقريباً بحظر أنشطة «حماس» داخل مصر والتحفظ على مقراتها في مصر، وقبل شهرين قضت باعتبار كتائب القسام، الذراع العسكرية للحركة، جماعة إرهابية.
أيضاً، فإن المحكمة عينها، برئاسة المستشار محمد السيد، هي التي قررت حل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها. ووفقاً لقول مقيم الدعوى، المحامي طارق محمود، فإن الحكم سيكون واجب التنفيذ «لاستبعاد الطعن عليه»، لأن الطعن يجب أن يكون من المقام ضدهم الدعوى، وهم رئيس الجمهورية ووزراء الداخلية، والعدل، والخارجية بالإضافة إلى النائب العام ورئيس مجلس الدفاع الوطني». وأضاف محمود أن الحكم جاء كنتيجة طبيعية بعد اعتبار «كتائب القسام إرهابية وحظر أنشطتها في مصر».
هذا الانشغال بقانونية وجود «حماس» أو اعتبارها إرهابية من عدمه، وغلق مقراتها، يبقى أمراً يثير الاستغراب، إذ لا يوجد من الأساس مقرات للحركة أو «القسام»، وبالتأكيد لن يمنع الحكم التحركات التي تقودها المخابرات الحربية وأمن الدولة بين مصر وحماس. وكذلك لن يمنع المسؤولين الحمساويين من دخول البلاد للقاء مسؤول يشرف على عملية المصالحة، ويبقى أن الحكم لن يكون سوى إصرار قضائي لا تلتفت إليه الحكومة التي حرصت على عدم التعليق على الأمر، بل تجاهله تماماً.
مصدر قضائي في النيابة العامة يشرح لـ«الأخبار» القضية من ناحية أخرى، إذ يقول إن الحكم أوّلي يمكن الطعن عليه لدى درجات قضائية أعلى، وخصوصاً أن القرارات المتعلقة بعلاقة مصر بالدول الأخرى «قرارات سيادية لا ولاية للقضاء عليها».
ولفت القاضي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن محكمة الأمور المستعجلة تتألف من قاض واحد عادة يصدر أحكاماً في القرارات العاجلة حتى تتصدى المحكمة الأصلية للموضوع، لذلك فإن «المحكمة خالفت قانون الكيانات الإرهابية الذي صدر بالفعل منذ عدة أيام، لأن القانون الجديد يحدد بوضوح كيفية إدراج المنظمات والحركات الإرهابية».
وأضاف شارحاً: «الأصل أن تبدأ القضية بطلب يقدم من النائب العام إلى محكمة الجنايات التي تضم شيوخ القضاة، على أن يكون لتلك المحكمة وحدها تقدير الإدراج من عدمه وإصدار حكم خلال سبعة أيام من عرض النائب العام الأمر عليها». وشدد المصدر ذاته على أنه في ما يتعلق بـ«حماس» لن يتخذ النائب العام أي إجراء حيال إدراجها على قائمة الكيانات الإرهابية حتى الآن، «لأن ما يتعلق بالمنظمات الأجنبية لا يتحرك فيه النائب العام إلا في إطار مطالبة من وزارة الخارجية، وهذا ما لم يحدث في قضية حماس».
ما سبق يمهد للقول إن القرار وما قبله لا يدخل إلا في إطار المماحكة الإعلامية والتشاحن بين الاتجاهات الرافضة لجماعة «الإخوان المسلمين» وملحقاتها، ومكونات الأخيرة. ومن الواضح، أيضاً، أن التجاهل المصري الرسمي لـ«حماس» يدفعها إلى التعاطي بحساسية مع كل ما يقال مصرياً عنها. ولا يزال حتى اللحظة القيادي، صلاح البردويل، وهو مسؤول الدائرة الإعلامية في «حماس»، يقود الحملة الإعلامية ضد مصر، بجانب البيانات اليومية للحركة. البردويل قال إن «غزة ليست درنة (ليبيا) وإن حركته لن تخضع لأي ابتزاز»، معلناً أن «حماس» لن تسمح للنظام المصري بـ«أن يمسّ الفلسطينيين، بل ستردّ على كل من يعتدي عليها كما ترد على الاحتلال، ولن نسمح بأن يُقتل أطفالنا».
وأضاف البردويل، في مسيرةٍ خرجت جنوب القطاع رفضاً لقرار المحكمة المصرية، أن «من يحكم على حماس فقد حكم على نفسه بالفناء»، مضيفاً أن «النظام المصري لم يعد أميناً على المصالحة الوطنية، فهو يزيد العداء والحقد بين الشعب الفلسطيني... لا يقبل أي حر أن يكون تحت حاكم ظالم يقتل ويحرق أبناءه».
كذلك أوضح القيادي في «حماس» أن حركته لم تكن تتوقع تحركات سلبية تجاهها من النظام المصري في السابق «لكن الوضع الآن تغير، فلقد أصبحنا على جاهزية تامة أن نستقبل عدواناً أو استعراضاً للقوة من بعض السياسيين المصريين». واستطرد: «ربما نستقبل ضربات هنا وهناك، وربما يُقتل أطفال... يجب أن توضع الأمة كلها أمام هذه الحقيقة»، مستشهداً على ذلك بأن مواقع إسرائيلية إخبارية تحدثت عن «ضربة عسكرية مصرية وشيكة لغزة».
ونقلت مصادر من «حماس» أن الحركة قررت التعامل مع القرار المصري بصورة تصعيدية وتصاعدية، إذ تقرر «جمع ردود الفعل الفلسطينيية واستنطاق اكبر عدد ممكن من الفصائل والشخصيات الوطنية حول رفض القرار»، وأيضاً «جمع ردود الفعل الإسرائيلية المرحبة بالقرار المصري وفضح التواطؤ المصري ـ الإسرائيلي ضد المقاومة».
على الصعيد الفلسطيني نفسه، استثمر الأزمة قاضي القضاة في فلسطين ومستشار الرئيس محمود عباس للشؤون الدينية، محمود الهباش، عبر القول إن «أخطاء حماس بحق مصر قادت إلى الحكم الأخير باعتبارها إرهابية». واستدرك الهباش: «بإمكان حماس أن تعيد تصحيح الخطأ وهي تعلم كيف تفعل ذلك، فهناك دولة وسيادة مصرية... من الشجاعة أن تعترف حماس وتتراجع»، مضيفاً: «في الموقف الرسمي نعتبر حماس حركة فلسطينية».