في محاولةٍ لرسم واقعٍ مختلف عن الذي يريده الخليج والغرب في اليمن، وفي ترجمة عملية لإعلان زعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، انتهاج سياسية «البدائل» في العلاقات الإقليمية والدولية، بدأت الجماعة باتخاذ خطواتٍ مهمة تكرّس مكانها في قلب الصراع الدائر في المنطقة. وفدٌ حوثيّ برئاسة رئيس المجلس السياسي في الجماعة، صالح الصماد، في طهران، ووفدٌ آخر في موسكو. خطواتٌ كافية لتحدّي مشيئة دول الخليج وبلورة آلياتٍ لمواجهتها، بعدما كان أداء تلك الدول إزاء التطورّات اليمنية، في الأسبوعين الأخيرين، كأنه يقول ضمنياً: «الوصاية الخليجية أو الخراب».


أراد الغرب والخليج تصوير صنعاء في حالة عزلةٍ دولية. فبعد إقفال عدة دول سفاراتها في صنعاء، نقلت الرياض وأبو ظبي والمنامة والكويت سفاراتها إلى عدن التي اتخذها الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي مقرّاً منذ الأسبوع الماضي، لإعادة مزاولة مهماته كرئيسٍ للجمهورية، عقب تراجعه عن استقالته.
فجاء الردّ في اليومين الماضيين بأوضح صوره، أولاً عبر إبرام السلطة في صنعاء (اللجنة الثورية العليا) اتفاقية تعيد الرحلات الجوية بين طهران وصنعاء، وثانياً عبر زيارة وفدين من الجماعة لطهران وموسكو في الوقت نفسه.
وحطّت أول طائرة إيرانية في مطار صنعاء، غداة توقيع اتفاقية بين طهران والسلطة، لتسيير رحلات مكثفة بين العاصمتين الايرانية واليمنية، وذلك للمرة الأولى منذ الوحدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي لليمن عام 1990. ووصلت الطائرة التابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية إلى اليمن، حاملةً فريقاً من الهلال الأحمر الإيراني وكميات من الشحنات الدوائية، بحسب مدير النقل الجوي في مطار صنعاء محمد السريحي. وذكرت المصادر أن دبلوماسيين إيرانيين حضروا لاستقبال الرحلة الأولى بين البلدين منذ سنوات.
وقد علّق هادي على الاتفاقية التي ستسيّر بموجبها كل من شركة اليمنية للطيران وشركة «ماهان إير» 14 رحلة أسبوعياً، بالقول إنها «غير شرعية»، متوعداً بمحاسبة من وقّع عليها.

حطّت طائرة إيرانية
في صنعاء للمرة الأولى منذ عام 1990

في هذا الوقت، توجه وفدٌ برئاسة رئيس المجلس السياسي في «أنصار الله»، صالح الصماد، إلى إيران «لإجراء مباحثات مع المسؤولين في الحكومة الإيرانية تستهدف تعزيز التعاون المستقبلي بين البلدين الشقيقين في المجالات الاقتصادية والسياسية وغيرها من المجالات»، بحسب الصماد. كذلك ذكر أن الزيارة «تأتي في إطار ترجمة ما جاء في خطاب السيد عبد الملك الحوثي الذي تحدث (الخميس) عن إمكانية فتح آفاق جديدة للعلاقات مع الدول التي تحترم إرادة الشعب اليمني وسيادة أراضيه». وقال الصماد إن «العلاقات بين اليمن وإيران كانت أخوية وإيجابية، لكن ارتماء الحكومات السابقة في أحضان بعض الدول أدى إلى التأثير سلباً على العلاقات مع إيران»، مؤكداً أن عودة العلاقات بين البلدين الشقيقين «أمرٌ طبيعي ويصب في مصلحة تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين».
وفي زيارة رسمية هي الأولى، زار وفدٌ من الجماعة العاصمة الروسية موسكو، حيث التقى برئيس كتلة «روسيا العادلة» في الدوما. وقالت الجماعة، عبر موقع «شباب الصمود» الإلكتروني التابع لها، إن الزيارة تعتبر رداً عملياً على مغادرة السفارات من اليمن، ورسالة واضحة لأميركا تقول «إن العالم لا يقف عندها وإن الخيارات مفتوحة»، وفقاً لما نُشر في الموقع. وأضاف الموقع أن العلاقة بروسيا قد تسهم إلى حدّ كبير في إحباط أي مساع دولية لفرض مزيد من العقوبات على اليمن.
من جهةٍ أخرى، وفي أول لقاءٍ له بسفيرٍ منذ انتقاله إلى عدن، استقبل هادي السفير السعودي، محمد سعيد آل جابر، الذي استأنف أعماله من عدن «دعماً لشرعية هادي»، ولتكريس عدن عاصمة سياسية بديلة من صنعاء.
وفيما أشاد هادي بدعم السعودية لليمن، جدد السفير السعودي دعم بلاده لهادي باعتباره يمثل «الشرعية الدستورية»، وإعلان وقوف الرياض الدائم إلى جانب الشعب اليمني، مؤكداً «ضرورة استكمال التسوية السياسية في اليمن الشقيق في إطار المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية». وأكد آل جابر أن بلاده تعمل حالياً بكل أقسامها من «العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن».
كذلك استقبل هادي يوم أمس شيوخ القبائل من محافظات مأرب والبيضاء والجوف، وأكد أمامهم، بحسب مسؤول إعلامي، أنه غادر إلى عدن «مفلتاً من الإقامة الجبرية التي كان يخضع لها، بعدما احتل الحوثيون صنعاء». وفيما جدّد هادي وصفه للسلطة في صنعاء بـ«الانقلاب المكتمل الأركان»، أكد بحسب المسؤول أن «الخروج إلى عدن ليس لأجل إعادة التشطير (العودة الى دولتي الشمال والجنوب) كما يزعم البعض، بل لأجل الحفاظ على أمن اليمن واستقراره».
إلى ذلك، أفادت مصادر دبلوماسية، يوم أمس، بأن السفارتين البريطانية والأميركية في اليمن ستعاودان أعمالهما من عدن، في انضمامٍ إلى بعض دول الخليج التي قامت بالخطوة نفسها. وقالت المصادر إن بريطانيا وأميركا ستنقلان سفارتيهما إلى عدن، «لأسباب أمنية».
(الأخبار، الأناضول، رويترز، أ ف ب)