وقفت امرأةٌ عجوزٌ على باب مسجد الجزّار ، بعد أن أنهينا صلاة الجمعة. كان سيل من الناس يخرج مندفعا إلى خارج بوابات المسجد ، فقلت لها :

- يا حجّه يا ريت تزيحي شويّ أحسن ما يُخبطك حَدا وتِوْقعي على الأرض
رفعت رأسها إلى أعلى وكأنّ رأسها مُركّب على هزّاز ، وقالت:
- يا ريت والله وهيكْ بضمن إنّو أموت بِهالبلد
- ولّ يا حجّه سلامة عُمرك ، إحنا بَسّ خايفين عليكي ، إمِسكي إيدي وخلّينا نِنزل على هالدردج وبَشرّبِك كُبّاية شاي عند ابو الياس
مدّت إيدها لإيدي ، وحين لامستُ يدَها شعرتُ كأنّ شرايين يدِها تُجدّل هذه القطعة من الجسد بإتقانٍ رهيب .ارتجفتْ يدُها في يدي ونزلنا رويداً رويداً

- فَطرتي يمّا؟
- لا والله من مْبيرحْ وانا جايِه من جِنين ما فات ع تِمي نُقطة مَيّ
- ولّ سلامةْ خيرك يمّا، عند مين جاي؟
- والله مُش عارفه .. جارتنا ام أسعد اللّي عايشه في (مخيم) البِدّاوي (شمال لبنان) حلفتني يمين إنّو أزور عكا وأجِبلها شويّة ميّ من مَيّاة الجامع، وشويّة زفزف من الفاخوره ورغيف خبز ...هايّ وصيه يا بني وحَلفت يمينْ إنّو لمّا آجي عند بنتي ع عرّابة، أفوت ع عكا واعمل اللّي بِدها إيّاه.
- إنتي إفطري وانا رَحْ أجبلك كل اللّي طَلبتيه والخُبزات مِتوفْره عند ابو الياس والزفزفات أسّا بَروح بَجبلك إيّاهن ...بَسّ بعد ما مِنفطرْ وأنا بَعبّيلك أحلى قَنّينة ميّ من الجامع ...بِدي أسألكْ سؤال ومِسّتحي: ليش جاي لَحالك؟
- والله يا إبني ما خَلّوا بِنتي تْفوت ورْجِعِت على هذا اللّي إنتو بتسمّوه "المَحسوم" وأنا بَحمل بَسبور أردني مِن زمان معْ إنّي ساكنة مع إبني في لبنان
- أهلا وسهلا فيكي واعْتِبريني إبنكْ
- الله مْحيّيكْ
لم تأكل سوى كِسّرة خُبزٍ وشربت كأساً مِن الماء وشَربنا الشاي أيضاً ، ثمّ قلتُ لها :
- اسّتنّي هون هَيّاني رايح ع الفاخوره أجبلك الزفزفات وراجعْ
- لا لا يا إبني انا رايحه معاك حَلفتْ يمين إنّو أنا أجِبلها الزفزفات
- بَسّ يا يَمّا الطَقس عاطل وخايِف عليكي مِن الهوا
- تْخفِش يا إبني ما حدا بِموت وناقصو عُمُر
ذهبتُ إلى موقف السيّارات لآتي بسيارتي وأُرافق الحجّة
نزلتُ من السيّارة ولم أجدها على الرغم من مُرور دقائق قليلة منذُ تَرتُكتها هناكْ
فقلتُ لطوني صاحب المطعم :
- يا زَلمي وين راحتْ الحجّة؟
- والله ما شُفتها حَطّت ع الطاولة 50 شيكل وراحتْ ع شَقّة المتحف وتَرْكتلكْ هالمِسبَحه
- يا الله !
بدأتُ أبحثُ عنها ولم أجدها وكأنّ الأرض قد ابتَلعتها
وينِك يا حَجّه ...وينِك يا حَجّه؟
ثمّ سمعتُ صوتاً يقولْ:
-وَلَكّ يا علي يَلاّ قوم بِكفّيك نوم أذّن الظُهر وإنتْ نايم !
قوم كُلّك مَنئوشة زَعتر عْمِلّتلك إيّاها مَخصوص من طْحين القمح
قوم تْنامْ عليكْ حّيطَه
هذه كانت أمّ حَنا التي وفّرتْ عَليّ عناءَ البحث عن الحجّة !