متحف الموصل يحسم اليوم الجدلية التي خلقها «داعش»، منذ بدء مخططه الإجرامي، حول هل الأولوية للحجر أم للبشر؟ السؤال المؤرق لكل المهتمين بإرث سوريا والعراق التاريخي الذي أعطى الإنسانية معناها المشرق، وهو السؤال الذي تكرر مع كل دمار طال مدناً عريقة كحمص ودمشق وحلب (المجزرة الصامتة) ومدن العراق، ومع كل قطعة آثار دمرت أو نهبت من البلدين.


بتدميره متحف الموصل اليوم يحسم «داعش» الجدلية، الحجر أهم من البشر، وذلك ليس استهانة بالأرواح التي زهقت، ولا بمعاناة الملايين الذين طالهم إرهاب «داعش» وإجرامه، بل هو احترام لتلك الأرواح، والخوف عليها من أن تمتهن بعد الممات، في وقت كان يمكن فيه لتنظيم «داعش» أن يفجّر المتحف ببساطة، ومن دون أن يكلّف زبانيته عناء تدمير الآثار يدوياً، إلا أنه اختار التدمير البطيء، بتصوير متقن، كمن يمعن التمثيل بأرواحنا. الحجر أهمّ من البشر لأنّ التاريخ لا تمكن إعادة كتابته من دون شواهد، ولأنّ تاريخنا الثريّ تستحيل إعادة صياغته. إن كانت شعوبنا قد ألفت الموت وهي تعيش معه وجهاً لوجه كلّ هذه السنين، وإن كانت قد أصرّت على مجابهته بالفرح والرغبة في صناعة الحياة، فإن الخوف على هذه الشعوب اليوم هو أن تفقد صلاتها بجذورها. فما يجري تحطيمه اليوم ليس أحجاراً، بل خلاصة أرواح عاشت آلاف السنين فوق هذه الأرض. وإن كان يهوه قد أوصى أتباعه يوماً بأن «لا تبقوا على نسمة حية في الأرض، بل ابسلوا المدن والقرى. لا تبقوا مقيماً أو شريداً. لا تتركوا قباحة إلا واستخدموها، بذلك يرضى يهوه، وتعودون إلى الأرض التي طردتم منها. لا تتركوا خديعة، لا تتركوا بغياً أو خائناً إلا واستعملوه لأن يهوه هيّأه لكم. لا تتركوا واحدة من الأمور التي أمرتكم بها، لكي لا تقذفكم الأرض التي تأتون اليها»، فإن رعاع «داعش» اليوم يتبعون وصيته بأمانة تحت عباءة الإسلام.