دمشق | لطالما قيل الكثير عن أهمية الموقع الجغرافي لسوريا وحسناته الاقتصادية، إلا أن تلك الأهمية لم تختبر فعلياً إلا مع توسع دائرة الحرب، واستهداف المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية ومحاصرة البلاد بالعقوبات الخارجية، فكان أن بدأ التأثر واضحاً في مؤشرات اقتصاديات دول الجوار وصعوبة بدائلها.


تأتي تجارة الترانزيت في مقدمة مكونات العلاقات الاقتصادية الإقليمية المتأثرة عميقاً بالحرب السورية، سواء بالانخفاض الحاد الذي طرأ على حركتها عبر البوابة السورية، أو بصعوبة البدائل وارتفاع تكلفتها إلى أضعاف ما كانت عليه سابقاً، لكن الأهم الذي يكتسب بعداً سياسياً واقتصادياً خطيراً يتمثل في تطورين: الأول دخول «إسرائيل» على خط السعي للتحول إلى بوابة للتواصل التجاري بين أوروبا والخليج عبر مرفأ حيفا، والثاني اتجاه تركيا لتوسيع نفوذها الاقتصادي والتجاري في مناطق الشمال الخاضعة لسيطرة عدة مجموعات مسلحة.

قلب الشرق

عملت السياسة السورية طوال العقد الأول من القرن الحالي على محاولة استثمار الموقع الجغرافي المتميز للبلاد كبوابة أساسية لا غنى عنها للتواصل التجاري بين دول أوروبا ومنطقة الخليج، وكمنفذ بحري اقتصادي لدول كالعراق والأردن، فكان أن اتجهت الحكومة إلى الانفتاح على تركيا، وترميم علاقاتها مع العراق، وتحييد الجانب الاقتصادي في علاقاتها مع كل من الأردن ولبنان بعيداً عن تقلبات السياسة. والنتيجة أن أكثر من 137 ألف شاحنة، من بينها تقريباً ما بين 50 إلى 60 ألف شاحنة تركية، بدأت تنقل بضائع وسلعاً بين الشرق والغرب عبر الأراضي السورية، ارتفاع قيمة تجارة الترانزيت لتحقق في عام 2008 نحو 126 مليار ليرة، ووصول كمية البضائع المنقولة إلى خارج البلاد إلى أكثر من 4.3 ملايين طن في عام 2010.

ارتفع حجم
البضائع التركية المنقولة إلى الدول العربية عبر «إسرائيل»



إلى أن جاءت الحرب وسبّبت تدريجاً «احتشاءَ عضلة» قلب ترانزيت الشرق، رغم أن الأشهر الأولى من الأزمة لم تشهد تغيراً يذكر في تدفق حركة الترانزيت البرية والبحرية. فمثلاً تشير بيانات وزارة النقل إلى أن مرفأ طرطوس سجل في عام 2012 زيادة ملحوظة في حجم حركة الترانزيت وصلت إلى 94 ألف طن، مقارنة بعام 2010. لكن بالمقابل كانت حركة الشاحنات التركية عبر الأراضي السورية تتراجع باطّراد، إلى أن توقفت تماماً مع سيطرة المجموعات المسلحة على المعابر الحدودية الرسمية بين البلدين، دون أن يعني ذلك توقف دخول الشاحنات التركية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة. فوفق ما جاء بورقة عمل أعدها الدكتور يعرب بدر، المستشار الإقليمي للنقل واللوجستيات في «الإسكوا»، سجّل العام الماضي لغاية شهر تشرين الثاني منه دخول ما يقرب من 108 آلاف شاحنة تركية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة. وللمفارقة، فهو رقم يزيد على عدد الشاحنات التركية التي اتجهت إلى سوريا في عام 2010... لذلك، من المهم السؤال عن وجهة هذه الشاحنات بعد وصولها إلى الشمال السوري، وأين تفرغ حمولتها من البضائع والسلع التركية؟ وهل جميعها شاحنات تحمل فعلاً بضائع تجارية؟
أما تدفق الشاحنات اللبنانية، فقد ارتبط بمسار العمليات العسكرية وتصاعدها في محافظة درعا، وفي محيط المعابر الحدودية الرسمية مع العراق. وتبعاً للتقديرات، فإن هناك نحو 100 شاحنة تدخل من لبنان باتجاه الأردن والعراق.
يحاول رئيس اتحاد شركات شحن البضائع الدولي، صالح كيشور، رسم ملامح حركة الترانزيت بعد أربع سنوات على الكارثة السورية، فيؤكد في حديثه لـ«الأخبار» أن «تجارة الترانزيت الخارجي تراجعت بنسبة 80% بفعل خروج المرافئ السورية من المنافسة، حيث لم يبقَ حالياً سوى بعض البضائع التي مقصدها العراق»، وحتى تجارة الترانزيت الداخلي «انحسرت في بعض عمليات الاستيراد، التي بدورها تراجعت كثيراً في ظل الأزمة، وصعوبات التجارة مع سوريا وعمليات التحويل».
لتجارة الترانزيت ركيزتان أساسيتان، وكلتاهما تأثرتا بمجريات الحرب السورية، تخريباً وتدميراً أو حصاراً وإضعافاً. فأسطول النقل السوري خسر أكثر من 70% من تعداده، بسبب خروج الشاحنات السورية من الخدمة وذهابها للعمل في الدول المجاورة وتعرض البعض الآخر للسرقة والسطو والإحراق، فيما تعرضت شبكة الطرق المركزية للتخريب والتدمير. وهنا توضح بيانات المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية التي حصلت عليها «الأخبار» أن قيمة الأضرار التي تعرضت لها الطرق العامة بلغت لغاية شهر أيلول الماضي نحو نصف مليار ليرة، كان من بينها مثلاً تفجير جسر معبر سكة غزالة على طريق دمشق ــ الحدود الأردنية، والذي بلغت أضراره التقديرية نحو 200 مليون ليرة سورية، فضلاً عن تدهور الأوضاع الأمنية وتعرض الشاحنات والبضائع للسرقة والنهب والتدمير.
أما الركيزة الثانية المتمثلة بالمرافئ وتنافسيتها، وهنا يحدد كيشور أربعة أسباب أدّت إلى خروج المرافئ السورية من دائرة المنافسة بحركة الترانزيت، تبدأ «بعزوف معظم خطوط الملاحة البحرية عن دخول المرافئ السورية والأجور العالية التي تتقاضاها لقاء دخولها، فالارتفاع الكبير بالأجور والبدلات التي تستوفيها المرافئ السورية على الترانزيت، وكذلك ارتفاع أجور النقل البري للشاحنات السورية نتيجة ارتفاع أسعار الديزل والمخاطر التي يتعرض لها السائقون، وأخيراً منافسة مرافئ مجاورة كمرفأ العقبة في الأردن، الذي خفض رسومه للبضائع التي ترد إلى العراق»، وهو ما شجع التجار العراقيين لاحقاً على شحن بضائعهم من طريق الأردن بدلاً من سوريا.

إسرائيل مجدداً

تُظهر محدودية بدائل الاستغناء عن سوريا في تجارة الترانزيت الإقليمية وارتفاع تكلفتها، أهمية الموقع الجغرافي لسوريا من جهة، وطبيعة المصالح الاقتصادية الجديدة القائمة على المتغيرات الناجمة عن الحرب من جهة ثانية، فمثلاً الشاحنة التركية التي كانت تعبر سوريا من الشمال إلى الجنوب برسوم لا تتجاوز 350 دولاراً وبوقود رخيص، أصبحت اليوم تضطر إلى دفع رسوم تراوح قيمتها ما بين 4-8 آلاف دولار في طريقها بحراً نحو بعض المرافئ الإقليمية، ومنها إلى الأردن ودول الخليج العربي. لا بل إن أقصى ما يمكن أن تصل إليه براً لم يعد يتجاوز مدينة أربيل العراقية، خاصة بعد الأحداث الأمنية التي شهدت المحافظات العراقية، وسيطرة تنظيم «داعش» على عدد من المدن. إنما ذلك لم يحل دون زيادة الصادرات التركية إلى الدول العربية وتحسن العلاقات التجارية لدول الجوار السوري.
أخطر البدائل كانت في سعي «إسرائيل» إلى تسويق مرافئ الأراضي المحتلة كبديل من الحلقة السورية في تجارة الترانزيت الإقليمية، وتحديداً مرفأ حيفا، فكان أن بدأت الشاحنات التركية تقصد مرفأ حيفا انطلاقاً من مرفأ مرسين للتوجه من خلالها إلى الأردن فدول الخليج العربي، إلا أن عمليات التفريغ والتحميل على جسر الملك حسين نتيجة المخاوف الأمنية، وما تستلزمه من وقت وتكلفة، أصبحت تشكل عائقاً لوجستياً، لكن ذلك لم يثن إسرائيل عن السعي لتطوير هذا المحور وتوفير ما يحتاجه من بنى تحتية. وتكشف البيانات التي تتضمنها ورقة الدكتور بدر عن أنّ الحركة عبر هذا المحور تزايدت بنسبة 330% منذ عام 2010، فقد وصل عدد الشاحنات إلى 10.589 شاحنة في عام 2013، كذلك إن حجم البضائع التركية المنقولة إلى الدول العربية عبر «إسرائيل» ارتفعت من 17.8 ألف طن عام 2010 إلى 77.3 ألف طن في عام 2014.
يحصر رئيس اتحاد شركات نقل البضائع الدولي بدائل الدول المجاورة لتسيير حركة الترانزيت دون سوريا «بتقديم التسهيلات والخفوضات المستمرة لضمان تدفق البضائع عبر مرافئهم، علماً بأن مرفأي مرسين وبيروت يعملان بثلاثة أضعاف عما كانا عليه قبل الأزمة، حيث يجري استيعاب البضائع التي كانت تعبر سوريا ومن ثم تُنقَل بحراً إلى مقاصدها دون المرور بطريق سوريا».