اربيل | تقترب مدينة كركوك، والمحافظة عموماً، من التحوّل إلى عنوان لمواجهة جديدة ذات طابع سياسي، وذلك على خلفية تحديد الأطراف التي ستشارك في استعادة الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم «داعش» منذ الصيف الماضي.

وتعتبر قوات «البشمركة» ومن خلفها اربيل، وقوات «الحشد الشعبي» ومن خلفها بغداد إلى حد ما، عنصري الوضع القائم، في وقت تزداد فيه التجاذبات الإعلامية نظراً إلى أنّ كركوك من المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية والإقليم. وذلك، أيضاً، بالتوازي مع استثمار أطراف في تأليب صراعات أخرى ضمن المحافظة تتماشى سياقاتها ومخططات تطاول الأراضي العراقية بأكملها.

وخلال زيارة لمدينة كركوك، قبل نحو أسبوع، قال رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، إن كركوك ليست بحاجة لأي قوة حالياً، موضحاً أن الإقليم سيبذل قُصاراه للدفاع عنها وعن مكوناتها، معلناً في الوقت ذاته أنّه «إذا كانت هناك حاجة لقدوم قوات الحشد الشعبي، يجب أن يكون الطلب من قبل قوات البشمركة فقط».
وبعد الزيارة لكركوك بأيام، وفي كلام أكثر وضوحاً، قال رئيس مجلس المحافظة، ريبوار الطالباني، إنّ «أي اتفاق لم يبرم لغاية الآن بين الإدارة المحلية في كركوك ورئيس منظمة بدر، هادي العامري، لدخول قوات الحشد الشعبي كركوك والبدء بعمليات تحرير المناطق». وأشار، في حديث صحافي، إلى أن «الموجود هو اتفاق عام بين الرئيس مسعود البرزاني ورئيس الوزراء حيدر العبادي في ميونيخ (مؤتمر ميونيخ للأمن/ 8 شباط الحالي)، على أن تكون هناك عمليات تحرير مشتركة للأراضي من وجود عناصر تنظيم داعش، لكن لم يُتَّفَق وقتها على المناطق التي ستكون فيها العمليات مشتركة».
ومن المعروف أنّ الحديث عن تقسيم المناطق إلى ما يشبه كتل ستجري ضمنها «عمليات مشتركة» يعكس حساسية العمل العسكري في محافظة كركوك على اعتبار أنه يمثّل إحدى أدوات تثبيت النفوذ السياسي في محافظة متنازع عليها.
وكانت قوات «البشمركة» قد ثبتت سيطرتها على مدينة كركوك في شهر حزيران الماضي إبان هجمات «داعش»، وقال في حينه المتحدث باسمها، جبار ياور، لوكالة «رويترز»: إن كركوك بأكملها تحت سيطرة قوات «البشمركة» ولم يعد هناك وجود للجيش العراقي فيها.
وفي حديث إلى «الأخبار»، قال المتحدث باسم مجلس قيادة «الحزب الديموقراطي الكردستاني» في كركوك، عدنان كركوكي، إنّ «الخطة المستقبلية لحماية كركوك تكمن في تعزيز مواقع البشمركة من الناحية اللوجستية ومن الناحية التسليحية، وهذا على مستوى خطوط التماس، حيث توجد البشمركة الآن بصورة كافية... أما بالنسبة إلى داخل المدينة، فالأجهزة الأمنية وضعت خطة لحماية المواطنين والممتلكات والمنشآت الحيوية». وبخصوص اشتراك قوات «البشمركة» في تحرير المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، أشار كركوكي إلى وجود «تنسيق على مستوى الإقليم ومستوى الحكومة الاتحادية (المركزية)، لمحاربة داعش، ومن الممكن اشتراك قوات البشمركة كقوات مساندة لتحرير كركوك (المحافظة)، والموصل أيضاً».
وبرغم الممانعة التي يبديها الجانب الكردي لجهة عدم السماح لقوات «الحشد الشعبي» بدخول المدينة، إلا أن العضو في مجلس محافظة كركوك، تحسين كهيه، لفت في تصريح لـ«الأخبار» إلى وجود تنسيق بين كافة الأطراف في المدينة. وقال إنّ «كركوك منطقة مهمة وحساسة ومنطقة استراتيجية، فيها منشآت اقتصادية كبيرة وحمايتها في هذه المرحلة واجب وطني وشرعي». وأضاف: «هناك تنسيق عالي المستوى بين القوات الأمنية الموجودة في المنطقة وبين الحشد الشعبي، لوضع خطة لتحرير المناطق التي يسيطر عليها داعش، وقد سبقتها زيارات متبادلة بين قادة قوات الحشد الشعبي وبين الإدارة المحلية وحتى مع البشمركة، وفي الأيام القليلة المقبلة ستظهر بوادر هذه اللقاءات».
وفي باقي أراضي المحافظة، يخضع قضاء الحويجة (جنوبي غربي محافظة كركوك) ونواحي الرياض ورشاد والعباسية والنهروان لسيطرة تنظيم «داعش» منذ شهر حزيران، وتسكن هذه المناطق غالبية من «العرب السنّة». ويجري الحديث عن أنّ قوات «الحشد الشعبي» بدأت في بداية الأسبوع الماضي عملية عسكرية انطلاقاً من منطقة الفتحة التابعة لمحافظة صلاح الدين بهدف استعادة قضاء الحويجة.
الخريطة المختلطة ديموغرافياً للمحافظة الغنية بالنفط، إضافة إلى عملية «الحشد الشعبي» ووجود «البشمركة» في مدينة كركوك، تمثل عوامل فتحت الباب أمام البعض للحديث عن اتفاق جرى التوصل إليه حديثاً لتقاسم المحافظة بين الطرفين، في وقت تبدو فيه أهداف الحديث وأبعاده مفهومة.
في الأثناء، قال عضو مجلس محافظة كركوك (عن العرب السنة)، محمد خليل: «حتى الآن لم نشهد أي موقف جدي من الحكومة الاتحادية لتحرير الحويجة ومناطق جنوب غربي كركوك، إلا تصريحات ووعود بإرسال قوات وبأن الحكومة ستشكّل قوة، سواء كانت قوات حشد وطني أو قوات حشد شعبي أو حرس وطني وإرسال جيش، لكن هذا كله كلام دون تطبيق ودون جدوى». وتابع بالقول لـ«الأخبار»: «إن لم تساعدنا الحكومة، فماذا نفعل؟ نحن ليس لدينا غطاء شرعي وقانوني لنشكل قوات خاصة، لكن إذا دعمتنا الدولة فبإمكاننا تشكيل قوات من أبناء العشائر الموجودة في المنطقة، وبالتالي يمكننا أن نشترك في أي معركة لتحرير مناطقنا بسرعة بالتنسيق مع قوات البشمركة الموجودة على الحدود».
من جهة أخرى، قال ضابط من «البشمركة» في كركوك لـ«الأخبار» إنّ «قواتنا تواصل استعداداتها وانتهت من تعزيز القوة التي هنا بالأسلحة الثقيلة والخفيفة لمواجهة أي هجوم محتمل من داعش، لكن لا أتصور أننا سنشارك في دخول قضاء الحويجة والمناطق التابعة له أثناء الهجوم، لأنها مناطق عربية، ونحن نتجنب في دخول صراع مع أهالي هذه المناطق للحؤول دون إثارة الحساسية القومية، لذا سيكون من الأفضل أن تشارك قوات من عشائر المنطقة في تحريرها».