تونس | التقى «نداء تونس» و"حركة النهضة» منذ انتهاء الانتخابات الأخيرة على مجموعة من النقاط المحدِّدة لأطر المشهد السياسي التونسي الجديد، فيما قد تتمثل أخطر تلك النقاط في عزل أطراف سياسية، أبرزها «الجبهة الشعبية». وهذا ما جرى في الساعات الأخيرة عبر وضع عقبات أمام «الجبهة» منعاً لتوليها رئاسة لجنة المالية في البرلمان.


يضمن الدستور التونسي للمعارضة حق تمثيلها في هياكل ولجان البرلمان، وتعدّ رئاسة لجنة المالية مخصصة لها. وظنت «الجبهة الشعبية» (15 نائبا) أن عدم مشاركتها في السلطة عبر تولي رئاسة «مجلس نواب الشعب» وإخفاق مرشحتها (النائبة مباركة البراهمي) في نيل منصب نائبة رئيس المجلس، سيتيحان لها ترؤس لجنة المالية.
وبعد توزيع الحزبين، وحلفائهما، خريطة المناصب ضمن هيئات المجلس ولجانه، رأت «الجبهة الشعبية» أن المعارضة ضمن المؤسسة التشريعية ستكون حتما من نصيبها. وينص الفصل 46 من النظام الداخلي للبرلمان على أن الكتلة التي لم يمنح أغلب أعضائها ثقتهم للحكومة، هي التي تمثل المعارضة وتنال رئاسة لجنة المالية والتخطيط، لكن ترقب «الجبهة» للحصول على موقعها الجديد كانت نتيجته الصدمة، إذ سُحب بساط تزعم المعارضة البرلمانية من تحت أقدامها.
وأخذت مجريات التطورات منحى إسناد رئاسة «لجنة المالية» لممثل «الحزب الجمهوري»، إياد الدهماني، وذلك بعدما تمكن من إنشاء كتلة من ثمانية نواب، هي «الكتلة الاجتماعية الديموقراطية»، وجمع تواقيع عشرة نواب آخرين من المعارضة، بهدف ترشيحه لهذه المهمة. ووافق على ذلك مساعدو رئيس البرلمان من «النداء» و"النهضة» و"الوطني الحر». وبذلك، خرجت «الجبهة الشعبية» من المعارضة البرلمانية وبقيت دون مسؤوليات.
في مقابل ذلك، عملت «الجبهة» على تعطيل الجلسة العامة المخصصة للتصريح بهياكل المجلس، وهو ما جرى فعلا إذ أجلت الجلسة إلى مطلع الاسبوع المقبل. ومع تأجيل الجلسة، ترى «الجبهة الشعبية» أن بصيص أمل جديد قد يولد، وأن ضغطها قد يجدي نفعا، وذلك في الوقت الذي تدرك فيه أنها تملك أدوات تخوّلها من رسم أدوار جديدة لها، بعيداً من واقع «السطو» على حقوقها.
وفي الساعات الأخيرة، تبادلت «الجبهة الشعبية» مع «النداء» و»النهضة» الاتهامات، فهي تؤكد أنه جرى السطو على «حقها الدستوري»، فيما يؤكد الطرف المقابل أنها تفتقر إلى أبسط قواعد الديموقراطية التي تقتضي انصياع الأقلية لقرارات الاغلبية التي أخذت بطريقة ديموقراطية.
وفي تصريح لـ «الأخبار» أكد القيادي في «الجبهة» ومرشحها لترؤس «لجنة المالية»، المنجي الرحوي، أن إياد الدهماني «تآمر» مع «النداء» و"النهضة»، «اللذين استعملاه لضرب الجبهة وعزلها وحرمانها حقها، هو لا يعدو أن يكون بيدقا يستعملانه لعزلنا... هؤلاء يريدون اختيار معارضتهم وقد وقع فعلا الاختيار على هذا النائب... فيما الجبهة الشعبية ليست مرنة ولا تقبل التنسيق مع قوى اليمين الليبيرالية في الاختيارات الاقتصادية».
من جهته، أوضح عضو مجلس أمناء «الجبهة»، زياد لخضر، أن ما جرى يبيّن وجود «توصيات من الجهات المانحة، التي لا ترغب في وجود «اليسار» على رأس اللجنة التي ستنظر في اتفاقيات القروض، فالتعامل معه لن يكون سهلا. وأضاف أن الحكومة أيضا لا ترغب بوجود «الجبهة» في هذا المركز. ورأى لخضر في حديثه لـ «الأخبار» أن ما جرى من تنسيق بين الكتلتين من أجل إقصاء «الجبهة الشعبية» يذكّر «بممارسات نظام الاستبداد الذي كان يحبذ معارضة كرتونية تهادنه متى شاء وتثير خلافات على مسائل هامشية دون أن تقلق سير أشغال البرلمان». وشدد في الوقت ذاته على أن ما جرى «مناف تماما للأخلاق السياسية»، متسائلاً: «كيف لحزب لا يملك إلا ممثلا وحيدا في البرلمان أن يتزعم المعارضة على حساب الجبهة الشعبية التي تعد القوة السياسية الثالثة في البلاد».
من جهته، قال رئيس البرلمان، محمد الناصر، إنّ «ما وصفه نواب الجبهة بالسطو على قانون النظام الداخلي غير صحيح، بل هو استغلال سياسي لحدث عادي»، مشيراً إلى أنّ المجلس احترم الديموقراطية والنظام الداخلي وأنّه بحسب الدستور والنظام الداخلي تترأس المعارضة «لجنة المالية». وقد بنى الناصر موقفه على تأويل يفيد بأن اللجنة تؤول للمجموعة المعارضة التي تضم أكبر عدد من النواب، لا إلى الكتلة البرلمانية المعارضة الأكثر عدداً.