غزة | من عتمة الزنازين الإسرائيلية، «ربّى» الأسير عمّار لافي (قطاع غزّة) الأمل لشقيقه الطفل المريض محمود. ثمّة مسافة زمنيّة كبيرة فصلتهما عن لقائهما الخاطف الأخير في أحد مستشفيات فلسطين المحتلة. من وراء لوح زجاجي في المستشفى، تبادلا النظرات المشغولة بأملٍ يقع بين شقي حلم التحرّر من «قفص» المرض والسجن الإسرائيلي. حاول الأسير عمّار هدم أسوار سجن «مرض فقر الدم المنجلي» الذي يقاسي أخوه فيه، بعدما جاد عليه بخمسة ملايين وخمسمئة خلية دموية من النخاع.


هذه المرّة، لم يصطدم حلم محمود بجدار سجن أخيه، بل بأفراد عائلته الطلقاء، الذين ـ لغرابة القدر ـ لم تتطابق فحوصاتهم مع فحوص شقيقهم. وحده عمّار الذي دخل السجن يافعاً عام 2003 كان دمه يحمل بذرة العلاج لشقيقه من المرض الذي فتك بخلايا دمه منذ ميلاده.
لسبع ساعات متواصلة، رقد الأسير على سرير سحب الدم وفلترته. وسط إيقاع انتظارٍ قاتل، وتحلّق عشرة سجانين حول عمار، حاولت إدارة المستشفى قطع خيط أمل اللقاء. لا حواجز جغرافية وكتلاً إسمنتية بين الأسير ووالديه. لا أسلاك شائكة كذلك، لكنْ ثمّة كيٌّ للقلوب أحدثته إدارة المستشفى، بعدما حجزت والد الأسير بعيداً عن ابنه عمار، فيما سنحت للوح زجاجٍ أن يتوّسط الشقيقين وأمهما. هكذا، استرق الجميع النظرات قبل أن يخضع محمود لعملية زراعة النخاع لساعتين متواصلتين.
غادر عمار المستشفى، وعاد إلى العالم الذي لم يبرحه منذ 12 عاماً. تغيّرت الوجهة دون أن تتبدّل اليد التي تتجاسر عليه. انتقل من معتقل «نفحة» إلى «إيشل» لقرب المرافق الصحية من الأخير. عمّار الذي شبّ داخل غرف العزل والزنازين سيكون على موعدٍ مع الحرية بعد أربعة شهر، فيما تشخص عيناه نحو حياة جديدة لشقيقه.
أمّا الأمّ ابتسام خالد، التي لازمت ابنها المريض على مدار عشرين يوماً، فشعرت بأنها حاكت تجربة ابنها الأسير، إذ لم تجتز طوال تلك الأيام عتبة غرفة المستشفى التي لم يتركها محمود منذ نحو سنة بحكم انعدام مناعته. تقول الأمّ لـ«الأخبار»: «عشت الأسر مع ابني محمود، حيث يحظر وجودي ووالده في الوقت نفسه معه، لذا كنّا نتناوب على النوم معه، بعدما نخضع لإجراءات وقائية من قبيل التعقيم وارتداء ملابس معينة تلائم العزل الصحيّ».
العائلة نفسها عاشت الحرب الدموية الأخيرة على غزّة، إذ طاولت شظاياها المريض محمود، ما قلّص نسبة نجاح عمليته من 100% إلى 20%، فبعدما كان مقرراً إجراء عمليته في شهر تموز، حالت الحرب دون ذلك، إلى أن أُجريت العملية أخيراً. تقول الأم بحرقة بالغة: «سنظلّ ننتظر هذين الشهرين لتقويم نسبة نجاح العملية، وإن لم يُكتب لها ذلك، فسيتبرّع ابني الأسير مجدّداً بملايين الخلايا مجدداً لشقيقه... وتعود المعاناة نفسها».
وعن المشهد المبكي الذي لا يزال يسيطر على الأم وتفكيرها، تقول: «أحضروا ابني عمار على كرسي متحرّك بعدما سُحب الدم منه، فيما كنت أحاول إسناد طفلي محمود ليرى أخاه الذي حرمته سنوات السجن حضنه الرؤوم... لدقيقة واحدة فقط، تبادلا السلامات من خلف الزجاج. تمنيت آنذاك لو أنني قادرة على تحطيم هذا الزجاج وضمّ ابنيّ إلى ذراعيّ».
من ذلك المشهد، تتوالد عدّة مشاهد يلفّها بؤس الحياة التي يعيشها الأسير عمار الذي أصابته رصاصتان إسرائيليتان في قدميه إبان اعتقاله من مدينة رفح (جنوب القطاع)، فلم يتعافَ من آثار الإصابة إلّا بعد خمس سنوات من تاريخ إصابته، حيث كان بين مستشفيي سوروكا والرملة.
عمار المعروف بمشاكسته للسّجانين، الذين عزلوه لأكثر من ستة أشهر عن بقية رفاقه، لا يزال يلوّح بيديه من داخل السجن لشقيقه محمود الواقف على ناصية الحلم. هكذا، ينحي الأسرى عذاباتهم جانباً ويتحدّون الموت البطيء، بمنح غيرهم فسحةً ولو ضئيلة من الحياة!