اللاذقية | اللاذقية، واحدة من المدن الآمنة نسبياً في سوريا، شهدت خلال السنوات الأربع الفائتة اختلاطاً كبيراً بين أطفال قدموا إليها من مختلف المناطق، ولكل منهم قصّته التي يحكيها بمرارة الكبار، بعدما حملتهم الأزمة إلى أعمار افتراضية أكبر ممّا هم عليه.


فارس، ابن السنوات الثلاث، النازح من منطقة حرستا في ريف دمشق، يأتي إلى الروضة كلّ يوم حاملاً معه بندقيّة بلاستيكية، بحسب ما تقوله مديرته، وتتابع شارحةً: «إنه يأكل ويشرب والبندقية في يده لا تفارقه، وحالما يسمع صوتاً يوجّهها مباشرة إلى مصدر الصوت». وبينما الأطفال منهمكون باللعب في حديقة الروضة، يجلس ربيع منزوياً صامتاً، كرجل ستينيّ، يراقب رفاقه حزيناً على حياة فارقها، ولم تعد ملونة كما كان يرسمها في بيته الصغير الذي غادرته أمّه مع بداية الأزمة نتيجة خلاف طائفي مع زوجها. إذاً، لم تكن مشكلة ربيع ناجمة عن مشاهد عنف ودماء، بل هي ندبة تركها في روحه مشهد والدته وهي تحمل السلاح بوجه زوجها، مهددة إيّاه بالقتل إن لم يسمح لها بالعودة إلى أهلها في ريف دمشق. يومها أخبره والده أنّ السلاح بيد أمّه كان مجرّد لعبة بلاستيكية حاولت ممازحته بواسطتها، وأنّها غادرت البيت في زيارة قصيرة وستعود بعد أيام. ثلاث سنوات مرّت، وربيع ينتظر عودة والدته من زيارتها مدينة القصير. يقول والده: «توقّف ربيع عن الكلام منذ أن غادرت والدته البيت، نسيت حنانها له خلف الباب ولم تعد».
طفل آخر يروي لنا بحرقة ما صمت عنه الإعلام السوري، فريبال القادم من منطقة ساخنة، قرية الرمادية في ريف اللاذقية، كان جريئاً بنقله مشاهداته في تلك المنطقة بواقعية وبراءة. يقوم ريبال ورفاقه بتمثيل مسرحيّة تتوزّع فيها الأدوار بين مسلّحين وعناصر من الجيش السوري، يتقن فيها ريبال تمثيل الهجوم العنيف ونداءات الاستغاثة. «باتت هذه لعبته المفضّلة» تقول معلّمة ريبال، وتتابع: «تلك العلاقة العدائية تفقد براءتها عند لحظة تصادم حقيقي مع أقرانه، إذ يتحول مشهد العنف بشكل تلقائي إلى استخدام الضرب بين زملائه أثناء اللعب». الطفل الذي نجا من الموت والخطف بأعجوبة، لم يعد يقلّد شخصيّة «سوبرمان» بل اختار أن يتلبّس دوماً شخصيّة المسلّح.
قصص مؤلمة منحتها الحياة لريبال وربيع وفارس في عمر مبكر، في الوقت الذي اختارت فيه غيرهم الكثيرين لمشاهد أكثر قسوة، ومواجهات مباشرة مع الموت العشوائي. ففي ساحة كنيسة ديمتريوس، في حلب، لم توفر القذائف أطفالاً نزحوا من إدلب وحماه كانوا يلهون في ساحة الكنيسة، وتصف سارا، ابنة الأحد عشر ربيعاً، ذلك اليوم بأسى شديد: «حين كنا صغاراً، كانت أمي تقول عندما أضرب أخي وهو يشرب، إنّ الضرب أثناء الشرب حرام، ولو كان الشارب أفعى. في ذلك اليوم، سقط أمام عيني ثلاثة أطفال وهم يشربون. ألا يعلم المسلحون أنّ ذلك حرام»، تقول سارا ذلك ببراءة الطفولة، من دون أن تعلم أن الحرب لا أخلاق لها.
مفردات جديدة عرفت طريقها إلى عقول أطفال سوريا. هي مفردات الحرب بكل قسوتها. فلم تعد تستغرب أن يعرف طفل نوع الرصاصة الفارغة التي يحملها إلى معلّمته ليقول لها إنها رصاصة غالية عليه لأنّ صديق والده، الذي أحبّه، قتل بها. كما تتمكّن قمر، الطفلة، من تمييز أنواع الصواريخ نتيجة صوتها فقط حين انفجارها، تروي مشرفة اجتماعية تعنى بشؤون الأطفال.
يقول الكثير من الأهالي إنهم حاولوا منع أطفالهم من رؤية مشاهد العنف والدماء، ولكن لم يستطيعوا إغماض أعين أطفالهم كل يوم، فمواقع الإنترنت لم توفر يوماً نشر تلك الصور، بكل ما تحمله من اللاإنسانية. ولم يغب الدور السلبي للشاشة الصغيرة عن ذلك.
إنهم أطفال سوريا اليوم، كبروا قبل أوانهم، يختزنون مشاهد العنف والموت، ويحلمون بمستقبل تغيب فيه تلك المشاهد لصالح أمنيات طفولية يرغبون في تحقيقها.