القاهرة | في «ثورة 25 يناير» عام 2011، رفع المصريون مطالب عدة، أبرزها العدالة الاجتماعية وربط الحدّ الأقصى لمداخيلهم بالحدّ الأدنى. أما اليوم، فقد لا يجدون أفضل من مقولة «الشيطان يكمن في التفاصيل»، للتعبير عن موقفهم من القرار القضائي الأخير المتعلق بقانون الحدّ الأقصى للأجور.

حكومة ابراهيم محلب تحايلت على نصوص القانون، لتوسّع «نطاق الاستثناء» منه شيئاً فشيئاً، ما يؤدّي إلى إفراغه من مضمونه، وصولاً إلى تلاشيه تماماً. هذا ما كشف عنه، أخيراً، حكم محكمة القضاء الإداري، الذي ينص على إلغاء قرار رئيس الوزراء فرض القانون على العاملين في عدد من المصارف الخاصة، استناداً إلى «عيوب فنية في قرار الحكومة».

وكان الرئيس، عبد الفتاح السيسي، قد حرص على أن يكون قانون الحد الأقصى للأجور، أول القوانين التي يصدرها في بداية حكمه لمصر. فأصدر في الثاني من تموز الماضي، قراراً جمهورياً بالقانون وبتفعيله. ونص القانون في مادته الأولى على عدم جواز تقاضي موظفي الدولة والهيئات والشركات التابعة لها، وتلك التي تساهم الدولة في رأسمالها، أقل من ألف ومئتي جنيه شهرياً، كحد أدنى، ولا أكثر من اثنين وأربعين ألف جنيه (5.500 دولار أميركي) كحدّ أقصى.

تعمّدت الحكومة أن تكون نصوص القانون فضفاضة حتى يصعب تطبيقها

وبرغم أنه لم يُستثنَ سوى العاملين في هيئات التمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري من أحكامه، فإنه عهد في مادته الثالثة إلى رئيس الوزراء، وضع القواعد اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون، ما أدى إلى فتح باب «الاستثناءات»، وخصوصاً أن محلب أصدر قراره بتحديد الفئات الوظيفية التي يسري عليها القانون، من دون العاملين في البنوك التي تساهم الدولة في رأسمالها.
وإزاء هذا الاستثناء طالب محافظ البنك المركزي من مجلس الوزراء، شرح موقف تلك البنوك من سريان القانون عليهم من عدمه، وهو ما ردّ عليه مجلس الوزراء بإصدار قرار منفرد، بتطبيق القانون على بنوك مثل التعمير والإسكان، المصري لتنمية الصادرات إلى جانب مصارف مصر، القاهرة، والإسكندرية، والعقاري المصري، والأهلي المصري... وغيرها، إضافةً إلى عدد من الشركات المساهمة. وهو القرار الذي واجه عشرات الطعون القضائية أمام المحاكم بدءاً من الثلاثاء الماضي، للمطالبة بإصدار أحكام تلغي قرار محلب، بالاستناد إلى قانون الحد الأقصى للأجور الذي حدد المخاطَبين بأحكامه، وليس من بينهم العاملين في الشركات، بل يقتصر تطبيقه وفقاً للمحكمة على الأجهزة التي تندرج في نطاق السلطة التنفيذية للدولة.
مصدر قضائي يوضح لـ«الأخبار» أن هيئة مستشاري مجلس الوزراء تعمدت عند إعدادها قانون الحد الأقصى للأجور أن تكون نصوصه فضفاضة وغير مفهومة حتى يصعب تطبيقها، إلى جانب إصداره بالمخالفة مع ما نص عليه الدستور في المادة 190 منه التي تشترط عرض القوانين على قسم التشريع في مجلس الدولة قبل إصدارها، وهو ما لم يحدث عند إصدار القانون، وخصوصاً أن هيئة مستشاري مجلس الوزراء أرسلته مباشرةً إلى السيسي الذي أصدر قراراً جمهورياً بتفعيله مباشرة.
وتابع المصدر بالقول، إن حكم القضاء الإداري الأخير، القاضي باستثناء مصرفي التعمير والإسكان، والمصري لتنمية الصادرات، وقبله فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع (جهة قضائية تقدم استشارات قانونية للحكومة وتأتي في المرتبة الثانية بعد المحكمة الدستورية العليا)، التي نصت على استثناء العاملين في الشركة المصرية للاتصالات، من القانون.
إلى ذلك، أشار تقرير صادر عن هيئة المفوضين (هيئة تقدم تقارير استشارية بالرأي القانوني في الدعاوى المقامة أمام القضاء الإداري) إلى وجود شبهات دستورية في القانون، يؤكد أن «الحد الأقصى للأجور في طريقه للزوال»، متوقعاً أن تحيله محكمة القضاء الإداري في الأيام المقبلة إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في مدى دستورية نصوصه، وخصوصاً بعدما تلقت المحكمة عشرات الدعاوى من العاملين في البنوك والشركات المساهمة، وأساتذة الجامعات والقضاة، لاستثنائهم من القانون.
هذا الأمر أيده أستاذ التمويل والاستثمار، مصطفى التشرتي، في حديثٍ مع «الأخبار»، إذ يقول، إن القانون «ذكر الهيئات الحكومية وشركات القطاع العام، فيما أغفل الحديث عن الشركات التي تساهم الدولة في رأسمالها والتي تصل نسبة المساهمة فيها إلى 100%»، مضيفاً أنه بموجب القانون الحالي «لا بد أن تخضع كل الشركات التي تساهم الحكومة في رأسمالها بنسبة تزيد على 50%». ويضيف التشرتي، أن تلك القاعدة تتعارض مع مبدأ المساواة بين جميع الأطراف، مشدداً على غياب معيار حقيقي للفصل بين العاملين في القطاع العام الذين ينطبق عليهم القانون، وبين العاملين في القطاع الخاص، الذي قد يكون بنك أو جامعة أو خلافه، من المستثنين من نصوصه.