القاهرة | أخفقت الدبلوماسية المصرية في حشد رأي عام دولي وعربي في تحصيل دعم بإنشاء تحالف دولي يساند مصر في خيارها العسكري والتقدم نحو العمق الليبي، وذلك بعدما فضلت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأخرى عربية الحل السياسي، فيما لم تطرح تصوراً واضحاً للحد من قدرات تنظيم «داعش» هناك، وفق بيانات رسمية صدرت على مدار أمس.


الرفض الأميركي، على وجه التحديد، جاء بالتزامن مع إشارة أوروبية عبر الممثلة العليا للأمن والسياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريما موجبريني، إلى أن «الحل العسكري يجب أن يفعله الليبيون أنفسهم» في حال موافقة الأمم المتحدة على دعمهم، على اعتبار أن «الغرب يخشى التورط في حرب طويلة الأمد»، وهو ما يعزز احتمال اتجاه القاهرة إلى دعم أطراف حليفة في ليبيا لتنفذ المهمة، في أدنى حدّ.

تفقد السيسي قوات
المنطقة الغربية المسؤولة عن قصف «داعش ليبيا»

هذا بالضبط ما عبر عنه المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، بالقول إن «المجموعة العربية في الأمم المتحدة ستتقدم عبر الأردن بطلب إلى مجلس الأمن لرفع الحظر عن تقديم السلاح للحكومة الشرعية في ليبيا (حكومة طبرق)»، ذاكراً في الوقت نفسه أن مشروع القرار يهدف إلى «تشديد الرقابة بحراً وجواً لمنع وصول الأسلحة إلى الميليشيات المسلحة».
تصريح جاء بعد ساعات من اجتماع المندوبين الدائمين في الجامعة العربية الذين توصلوا إلى بيان رسمي يؤكد حق مصر في «اتخاذ الإجراءات والتدابير من أجل حماية مواطنيها والدفاع عنهم، وحقها الشرعي في الدفاع عن النفس»، مع تحفظ قطري على الفقرة الخاصة بالدفاع الشرعي وتوجيه ضربات إلى الجماعات الإرهابية المسؤولة عن قتل المصريين في ليبيا. وسجل اعتراض تونسي وجزائري على التدخل العسكري. كذلك يؤخذ بالاعتبار أن الجزائر التي لها حدود كبيرة أيضاً مع ليبيا وذات جيش قوي لم تساند مصر في خيارها.
كل ذلك كوّن لدى القيادة المصرية، كما تفيد مصادر مطلعة، غضباً من طريقة إدارة المجتمع الدولي للأزمة، إذ إنها «تكيل بمكيالين في مواجهة الإرهاب، بسبب أنها ترى وجود داعش في سوريا خطراً عليها، فيما لم تتخذ موقفاً مشابهاً من قتل المصريين في ليبيا». لكن المصادر نفسها قدرت أن الرد السلبي من «دول الجوار الليبي» (تونس والجزائر) على المبادرة المصرية قد يكون عائداً إلى «تعقيدات تركة النظام الليبي بعد معمر القذافي، واستحالة حدوث استقرار على الأرض قبل عدة أعوام»، وهو ما ترى فيه تلك الدول مانعاً لدخول حرب في الوقت الراهن.
في الإطار، التقى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في نيويورك أمس، الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، حيث عرض عليه وجهة النظر المصرية في ضرورة دعم حكومة عبد الله الثني ورفع حظر تصدير السلاح عليها، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات عسكرية لتدمير معاقل «داعش».
أما عن الموقف الأميركي، فقال شكري في تصريحات تلفزيونية، إن «المشاورات مع واشنطن أظهرت أن هناك نقاط توافق، لكن بعض الاختلافات يجري التعامل معها بهدف تقريب وجهات النظر». لكنه شدد على «اتساق الهدف بين الجانبين وتقدير خطورة الوضع في ليبيا، وأهمية العمل للقضاء على الإرهاب واستمرار دعم الشرعية هناك». وعُلم أن الطيران المصري نفذ أمس غارات جوية في الأراضي الليبية استهدفت مخازن للسلاح، لكن هذه الخطوة لم تعلن تفاصيلها عبر بيان رسمي على غرار الغارات الأولى التي نفذت بعد ساعات من ذبح الأقباط، وذلك عائد إلى أن الجيش قرر فرض حالة من السرية على العمليات وإبعادها عن «الصخب الإعلامي». ترافق ذلك مع تفقد الرئيس، عبد الفتاح السيسي، للمرة الأولى المنطقة العسكرية الغربية التي يجري عبرها تنفيذ الغارات الجوية. واستطلع السيسي الحدود من داخل إحدى الطائرات لمشاهدة انتشار التشكيلات وفرق التدخل السريع على الحدود المصرية ـ الليبية، وتابع مناورة تدريبية أخرى.
بعد ذلك، التقى السيسي عدداً من زعماء ومشايخ القبائل في محافظة مطروح الذين يمدون بصلات قرابة ونسب إلى «المشايخ الليبيين»، مطالباً إياهم بضرورة التعاون مع القوات المسلحة لتأمين الحدود وتزوديهم بالمعلومات عن أماكن المصريين في ليبيا من أجل إعادتهم إلى أسرهم. وقال السيسي: «مصر لو أخذت قراراً لن تتراجع فيه، ولا غنى عن الثأر لأبنائنا».
قائد القوات المصرية في حرب الخليج، اللواء المتقاعد محمد بلال، أكد أن العمليات العسكرية تجري بالتنسيق مع القيادة الليبية «من أجل تنفيذ الغارات الجوية بصورة محددة ودقيقة على أماكن التنظيمات الإرهابية»، مشيراً إلى أن الهدف الحالي «تدمير مراكز التدريب والسلاح». وأضاف بلال لـ«الأخبار» أن فكرة التدخل البري مستبعدة في الوقت الراهن، وخاصة مع «تراخي المجتمع الدولي»، لكنه كشف أن الجيش المصري سيشرف على تدريب عسكريين ليبيين حتى تكون لديهم القدرة على «التعامل بحسم مع العناصر الإرهابية».
إلى ذلك، رأى مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير معصوم المرزوق، أن مصر لن تستطيع الحصول على تفويض من مجلس الأمن للتدخل في ليبيا، لأن «الغرب ليس مهتماً برفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي وتأهيله، لكن مصر ترى في انهيار ليبيا تهديداً لأمنها القومي». ويشدد المرزوق على أن بلاده «لم تلجأ إلى الحل العسكري إلا بعد إخفاق الحلول السياسية التي نادت بها مصر منذ سقوط نظام القذافي... التطورات الأخيرة وتصاعد قوة داعش ليبيا هي السبب الحقيقي في التدخل العسكري».