لطالما اعتبرت الكويت واحة الخليج بالنظر إلى هامش الحريات القائم فيها، حيث تمايزت هذه الدولة عن نظائرها في مجلس التعاون الخليجي بوجود المؤسسات الدستورية وتنوع القوى السياسية وتوزعها على معارضة وموالاة وحيوية الحراك الشعبي ومساحة الحرية الممنوحة للصحافة ووسائل الإعلام. إلا أن تصاعد الانتهاكات خلال الآونة الأخيرة أعاد إحياء المخاوف من إماتة هذا الهامش الذي لا يخرج من حدود التواضع أصلاً، ولعل الأشهر الأخيرة من العام الماضي والأيام الأولى من العام الحالي شكلت ولا تزال ذروة تلك الانتهاكات.


وما الحكم على المغرد الكويتي صالح السعيد بالسجن ست سنوات بتهمة القيام بعمل عدائي ضد السعودية إلا النموذج الأحدث من عمليات التشديد في خنق المعارضة، عمليات تجلت بوضوح في شهر كانون الثاني الماضي عندما شنت السلطات حملة دهم واعتقالات على خلفية ما سمّتها تغريدات مسيئة للملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وأسفرت الحملة عن اعتقال الناشط البارز محمد العجمي إلى جانب أربعة آخرين هم الصحافي فليح العازمي ومساعد المسيليم وعبد العزيز الميموني وناصر الصميط.

الشأن الكويتي وتحديداً الحقوقي لا يبدو مستقلاً عن أيادي مجلس التعاون

كذلك أجرت وزارة الشؤون والأوقاف الكويتية تحقيقات مع أئمة مساجد رفضوا إقامة صلاة الغائب على الملك عبدالله.
وكانت السلطات الكويتية استفتحت العام الحالي باعتقال النائب السابق صالح الملا بتهمة الإساءة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ليكون بذلك ثالث سياسي يحاكم بتهمة الإساءة إلى السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بعد مبارك الدويلة وعثمان السعيد. وضمن محاكماتها للنشطاء وأصحاب الرأي أيّدت محكمة الاستئناف الكويتية حبس الناشط أحمد عبد العزيز فاضل بتهمة الإساءة إلى القضاء، كما أيّدت الحكم بالسجن خمس سنوات على الناشط عبد العزيز المطيري بعد إدانته بالإساءة إلى أمير البلاد.
وفي بداية العام الحالي أيضاً صدر حكم بالسجن لمدة عام وثمانية أشهر على الناشط صقر الحشاش بالتهمة نفسها، في وقت لا يزال فيه الصحافي عياد الحربي معتقلاً بعد الحكم عليه بالسجن عامين بتهمة الإساءة إلى الذات الأميرية.
ولا يستثنى البدون من دوامة المحاكمات والعقوبات، هذه الجماعات التي نظمت خلال السنوات الأخيرة العديد من الاحتجاجات للمطالبة بمنح أفرادها الجنسية الكويتية، والتي تحرم من حقوقها في الرعاية الصحية والتعليم والتنقل بين البلدان والعمل وتملّك البيوت والأراضي، لا تزال عرضة لسوط السلطات، إذ قضت محكمة الجنايات بسجن ستة من البدون من بينهم الناشط عبد الحكيم الفضلي لمدة عام ومن ثم ترحيلهم إلى خارج البلاد (إلى جزر القمر كما يعتقد ناشطون) بتهمة الإشتراك في تجمهر، في حين حكم على الناشط عبدالله عبدالله الذي ينتمي إلى جماعة البدون كذلك بالسجن خمس سنوات بتهمة الإساءة إلى الذات الأميرية، كما حكم على ناشط آخر من الجماعة وهو عبدالله العنيزي بعقوبة مماثلة بعد إدانته بالتهمة نفسها.
ولم تسلم الصحافة هي أيضاً من موجة التضييق على الحريات، ففي شهر كانون الثاني الماضي ألغت السلطات الكويتية ترخيص صحيفة «الوطن» وعدد من المطبوعات التابعة لها، وعمدت إلى إغلاقها بالشمع الأحمر بدعوى مطالبات مالية تصل إلى خمسين مليون دينار كويتي، إلا أن النشطاء والصحافيين أرجعوا القرار إلى عوامل سياسية متصلة بتبنّي «الوطن» للخطاب المعارض بشكل غير مسبوق.
هذه الانتهاكات وما سبقها خلال العام الماضي وثّقتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير صدر عنها العام الحالي، أشارت فيه إلى أن الحكومة الكويتية شنّت حملة قمعية ضد حرية الرأي على امتداد العام الماضي، مستعينة ببعض مواد الدستور وقانون الأمن الوطني وغيرها من التشريعات لإسكات المعارضة السياسية.
كذلك جرّدت السلطات، بحسب المنظمة، ثلاثة وثلاثين كويتياً من جنسيتهم، بينهم ثلاثة يمثلون أصواتاً معارِضة.
وأشارت «هيومن رايتس ووتش» إلى أن سلطات الكويت استخدمت عدة قوانين لملاحقة ثلاثة عشر شخصاً على الأقل خلال العام الماضي، معربةّ عن قلقها حيال سحب الجنسيات وإغلاق الصحف والقنوات التلفزيونية، ومعتبرة اعتداء الحكومة الكويتية على مستخدمي موقع «تويتر» ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى أكبر انحدار في حقوق الإنسان خلال السنوات الثلاث الماضية.
الانحدار الحقوقي في الكويت يؤكده النائب عبد الحميد دشتي الذي رُفعت عنه الحصانة بتهمة القيام بعمل عدائي ضد دولة أجنبية، وذلك بعد نشره تغريدات تضامنية مع شعب البحرين وثورته السلمية.
وفي حديث خاص إلى «الأخبار»، يصف دشتي تصاعد الانتهاكات الحقوقية في الكويت بأنه تفعيل لبعض بنود الاتفاقية الأمنية الخليجية التي وقّع عليها وزراء الداخلية من دون مصادقة البرلمان الكويتي، ويشير إلى أن معظم الشكاوى التي يحاكم بناءً عليها النشطاء وأصحاب الرأي تأتي من خارج البلاد، وتحديداً من السعودية والبحرين والإمارات.
ويعزو دشتي التفريط في حقوق الكويتيين إلى اقتراب السلطات من دول مجلس التعاون وانصهارها أكثر في هذه البوتقة، متوقعاً استمرار الحكومة الكويتية في التضييق على المعارضين السياسيين، ومحذراً من تداعيات التدخل الخليجي في شؤون الكويت. ويختم دشتي حديثه بدعوة الدول الخليجية إلى أن تترك الكويتيين وشأنهم. الشأن الكويتي وتحديداً الحقوقي منه لا يبدو مستقلاً عن أيادي مجلس التعاون، مملكة النفط وحلفاؤها يتعاظم تأثيرهم في أوضاع حقوق الإنسان في جارتهم، فهل تتمكن السعودية من إلحاق الكويت بركب المشيخات المحظور فيها أدنى مظاهر الحرية؟ الجواب رهن الأيام المقبلة.