دمشق | بعيداً عن أخبار الحرب والموت والأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة وغير المسبوقة التي تعصف بالسوريين، كشفت إحصائية رسمية أن السوريين مستمرون، رغم كل الظروف، بإنجاب الأولاد، حيث تجاوز عدد الولادات المسجّلة خلال عام 2014، وفق وزارة الداخلية، 400 ألف مولود.


ويبدو أن الكثير من السوريين لا يترددون في مسألة الإنجاب، حتى في ظل المستقبل المجهول مع الحرب الدائرة في البلاد، التي توشك على إتمام عامها الرابع. هذا ما تدل عليه أرقام الإحصائية التي نشرت قبل فترة، والتي تبين زيادة عدد الولادات خلال العام الماضي بأكثر من 50 ألفاً عن عام 2013. ويرجع السوريون ذلك إلى أنّ الإنجاب هو شكل من أشكال مقاومة شبح الموت الملازم للجميع في كل لحظة، متجاهلين ما يمكن أن يسبّبه الأمر من عواقب سيئة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة والأمنية المتدهورة التي تعيشها البلاد.
تشير سمر، موظفة تزوجت مع بداية الأحداث في سوريا، إلى أنها أجّلت حملها أكثر من سنة، لكنها تنتظر مولودها الأول خلال هذا العام، وقد أقدمت على ذلك من مبدأ «الضرورة والحاجة».

تجاوز عدد
الولادات المسجّلة 400 ألف مولود خلال عام 2014


«الإنجاب لا يمكن تأخيره أكثر، ولا أحد يمكنه إلغاء مشاعر الأمومة والحاجة إليها تحت أيّ ظرف» بحسب تعبيرها. بينما تشرح زميلتها ميساء معاناتها في توفير مستلزمات طفلها، البالغ عدة أشهر، نتيجة فقدانها أحياناً، وارتفاع أسعارها حين توجد، «ولا سيما الحليب والحفاضات والمازوت»، لكنها ترى أنّ هذه المعاناة لا تعني شيئاً حين تتذكر قصص شباب استشهدوا قبل أن يتركوا لعائلاتهم طفلاً يحمل اسمهم.
وفي سياق تأكيده الفكرة، يؤكّد فادي عدم خشيته أن يترك طفله يتيماً في حال مغادرته الحياة نتيجة الحرب، إذ إنّ «الأعمار بيد الله، ولا بد أن نتصرف وفق هذا الإيمان»، متسائلاً: «كيف يمكن أن نستسلم للموت ونمتنع عن فكرة الإنجاب التي تبين رغبتنا بالاستمرار والبقاء؟». إلا أنّ هذه اللغة العاطفية لا تقنع صفوان، العامل في محل للألبسة، والمتزوج منذ سنتين، إذ يجد أنّ ثمّة أسباباً عديدة تمنع غالبية السوريين من الإنجاب، ويقول: «كيف يمكن أن تأتي بطفل إلى هذه الدنيا وأنت لا تملك المقومات الأساسية لحياتك وبالكاد تؤمن لقمة يومك؟ إنّ في ذلك ظلماً لهذا الطفل. فهل تترك ابنك بعد موتك للمجهول؟».
في شارع الثورة، وسط دمشق، تصادف زوجين مع طفليهما الصغيرين والبؤس والفقر الشديد بادٍ على وجوههم، ورغم ذلك تكتشف أن المرأة حامل في شهر متقدم، لتبين هذه الحالة شكلاً من أشكال الإنجاب غير المضبوط أو المدروس، الذي اعتاده السوريون حتى ما قبل الأزمة. لكنّه اليوم يتخذ صبغةً مختلفة في ظلّ الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وقلة فرص العمل، وانعدام الاستقرار المطلوب لتنشئة الأطفال بالحد الأدنى.
وبحسب، دينا سلامة، إعلامية ومتابعة لملفات الصحة وشؤون الأسرة، إن عدم الوعي والزواج المبكر الذي فرضته ظروف الأزمة، ضاعف من حالات الإنجاب المتكرر، الذي تضعه أيضاً في إطار الجهل وعقلية «التحريم الديني» التي تمنع الكثير من الأسر السورية عن استخدام وسائل منع الحمل، مشيرة إلى أنه «يمكن فهم دافع الأزواج الجدد لإنجاب طفل، لكن لا يمكن تشجيع من عنده أطفال مطلقاً على إنجاب المزيد، فهم يسهمون بزيادة الأزمة في سوريا، التي تعاني بالأساس من مشكلات سكانية تتمثل بتدني الخصائص النوعية للسكان، وفق ما أكدته قبل فترة، رئيسة الهيئة السورية لتنظيم الأسرة خلال ورشة عمل حول عمل المؤتمر الدولي للسكان لما بعد 2014».
وبرؤية اقتصادية، تبين سلامة أن نموّ الاقتصاد انعدم، بسبب الأحداث الجارية، فيما بقي النموّ السكاني كما كان، الأمر الذي سيزيد من صعوبة الأوضاع، ولا سيما الاقتصادية، مبينة صعوبة الوصول إلى إحصائية دقيقة لعدد المولودين، «بسبب حالات النزوح وخروج العديد من المناطق عن سيطرة الدولة، أو عدم تسجيل الأطفال في دوائر السجل المدني، الذي سجّل 670 ألف ولادة في عام 2010، قبل الأزمة».
ولا ترى سلامة أي دور ممكن لجمعيات تنظيم الأسرة، أو من يعمل في هذا الإطار، التي تحوّلت، مع تطور الأحداث في سوريا، إلى العمل الإغاثي، وتخلت عن أهدافها الرئيسية القائمة على نشر التوعية، التي تعدّ، في ظل هذه الأوضاع، بمثابة الترف، مكتفية بالقول: «اللي ما قدرنا نعمله قبل الأزمة لا يمكننا عمله في خضمها».
على وقع صوت بكاء مولود جديد يخرج للحياة حديثاً في سوريا، بتفكير ودراسة وتخطيط من الأهل، أو دون ذلك، يبقى السؤال دائماً عمّا يخبئه المستقبل لهذا الطفل الذي هو حاجة فطرية لأبوين يعشقان الحياة من جانب، لكنه في جانب آخر قد يكون ضحية إضافية لحرب طاحنة مظلمة تدور في البلاد، ولا أحد يعرف موعداً للخلاص منها.