ببعض الآيات القرآنية والأبيات الشعرية والأمثال الشعبية، وكثير من الحزن والجرأة، أسرت سيدة حورانية معمّرة قلوب معظم السوريين. «لم توفر أحداً» حين استوقفت سيارة تقل عدداً من المسلحين الإسلاميين في إحدى مناطق ريف درعا، الذين قاموا بتصويرها، ووجد التسجيل طريقه للشبكة العنكبوتية لينتشر بسرعة وتتداوله صفحات التواصل الاجتماعي.


التسجيل الذي يقارب أربعة دقائق تكرر فيه عائشة محمد طه الزعبي لازمة «ارجعوا إلى الله»، ويبدأ بدعوتها بالمحكية الحورانية «موجهة عليكم الشياطين»، وهو تعبير معاكس لـ«بجاه الله أو كرامة لله». وهي تعني أنهم لا يفعلون ما يرضي الله، فلجأت إلى الشياطين لعل لهم دالة عليهم، ليردّ أحدهم: "ماذا تريدين؟"، فتجيبه: "أن ترجعوا إلى الله"، فيسألها: "ألا تريدين أن نذبح النائب العام؟"، فتجيبه العجوز: «لا أريد أن تذبحوا أحداً، ولا أحداً يذبحكم. ارجعوا إلى الله، اقعدوا، ذبحتم ابن الدده والحريدي، الكردي هذا الذي لحقتوه على الجيزة هذا كله حرام».
ابنة المسيفرة في ريف درعا قرّعت المسلحين وأدانت نبشهم قبر الإمام النووي، واعتبرت أن لا منتصر في الحرب. ورغم تبرم وضيق المسلحين من كلامها وإيقافها لهم، ومحاولتهم التهرب منها، إلا أنه بدا استمتاعهم بما تقول، فسألها أحدهم عن زميله الذي صلى استخارة وكان يصفق لإسقاط النظام فهل سقط؟ وكان رد العجوز: «ما بيسقطش النظام، لا الله يرضى بسقوط النظام، ولا الله بينجحكم أو بينجحه».
وتورد مثلاً شعبياً للدلالة على أن الحال في النظام والمعارضة من بعضه: «احنا جُقم وانتو عور، خلي هالطابق مستور»، وتسخر من المسلحين ومن تناقضهم بأبيات من الزجل.
الآيات القرآنية كانت حاضرة في خطاب العجوز: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما». وتتابع في سورة الحجرات بفصاحة وسلامة لغوية: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم»، مشيرة على سبيل السخرية من أفكار سبي نساء طائفة أخرى إلى أن خمسين من النساء الشيعيات متزوجات هنا، وسخرت من المسلحين الذين يعتبرونهن سبايا أنهم كمن يريد أن يتزوج الدبة ولكنه يرفع ذيلها بالعصا، وهو ما أثار ضحك المسلحين الذين مازحها أحدهم بترديد شعار جبهة النصرة الشهير «بالذبح جيناكم».
وتعود إلى تكرار لازمتها: «ارجعوا إلى الله، خافوا من الله، لا بدكم هالقتل ولا بدكم هالذبح... على اليهود اهجموا»، وتستشهد بالقرآن مجدداً: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم».

الذاكرة التاريخية كانت حاضرة في كلامها فتقول: «يوم حرب حزيران الشاطرة بدها تخبي ابنها، مابدهاش يروحوا، ويغطون وجوههم، أما يوم جاءتكم أموال أمريكا وسلاح أمريكا، بدكم تقتلون بعضكم، كيفوا على قتل بعضهم».

وتعرضت العجوز للنَّهر أكثر من مرة، حيث كان المسلحون يريدون مواصلة طريقهم، وفي نهاية التسجيل طلبت منهم أن يوصلوها إلى بيت أحد الأشخاص فرفضوا، لتمر سيارة وتجبرها على إخلاء الطريق. وهي تشدد عليهم: «ارجعوا إلى الله يا جدة».
فطنة المرأة ونبرة صوتها الحزينة جعلتا بعض المتابعين يخجلون... ويرددون جملة من أغنية «يامو» الشهيرة لدريد لحام... «وضاعت الترباية فيني يامو».