strong>سنة مضت على إطلاق ميشال ألفتريادس حملة «لن ندفع»... لم يتراجع هذا المواطن، الذي هزّ الحكومة وجمعية المصارف وأثار عصبية رئيسيهما حينها، على الرغم من كل الضغوط والتهويل والإغراء


ارتفعت ديون لبنان 5 مليارات دولار تقريباً منذ أن أطلق ميشال ألفتريادس حملته تحت عنوان «لن ندفع» في 8 تشرين الأول من العام الماضي، وهو الموعد الرمزي الذي اختاره في ذكرى اغتيال غيفارا... كان هدفه بناء رأي عام ضاغط من أجل إلغاء ما يعتبره ديوناً جائرة، بلغت أكثر من 53 مليار دولار، وأدّت إلى تقييد اللبنانيين بخدمتها، من دون موافقتهم، في ظل سلطة لا تمثّلهم ولا تمثّل مصالحهم، تخضع لوصاية خارجية، ولوجود عسكري أجنبي مباشر.
ما يميز هذه الحملة عن غيرها هو أنها الوحيدة التي تقارب مسألة تراكم الديون من زاوية قانونية تستند إلى نظرية «الديون الجائرة»، وهي نظرية رائجة دولياً، اختبرتها دول مدينة عدّة ونجحت في التخلّص من بعض ديونها المتراكمة في ظل الاحتلال أو الديكتاتورية أو الفساد. ويوضح ألفترياديس أن ديون لبنان تراكمت اعتباراً من عام 1992، في ظل حكومة فاسدة نالت الثقة من مجلس نيابي لم يحظ بأصوات سوى 13 في المئة فقط من اللبنانيين... وكان لبنان يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي ووصاية النظام الأمني السوري المهيمن على مراكز القرار.
كان الدائنون يعرفون هذا الواقع جيداً، ومع ذلك منحوا الحكومات المتعاقبة قروضاً باهظة هُدرت في منظومة الفساد الواسعة، علماً بأن بعض الدائنين كانوا جزءاً من هذه المنظومة أو مستفيدين منها أو متواطئين معها، وهذا ما يفسّر الحماسة التي يبديها هؤلاء إلى الآن من أجل تمويل إنفاق الحكومات. إذ إن أكثر من نصف الإنفاق العام يعود فوائد إلى الدائنين، وستبلغ خدمة الدين العام في العام المقبل حوالى 4 مليارات دولار، وهذا المبلغ يستنزف معظم ما يدفعه اللبنانيون من رسوم وضرائب.
يقول ألفتريادس إن الديون المترتبة على الدولة ارتفعت من حوالى 3 مليارات دولار في عام 1993 إلى 53 ملياراً فعلياً، أي إن الزيادة بلغت حوالى 50 مليار دولار، ولم يُنفق على مشاريع الإعمار إلا حوالى 6 مليارات دولار، ما يعني أن الشعب اللبناني لم يستفد من هذه الديون للخروج من رواسب الحرب كما جرى الادّعاء... ويعتقد ألفتريادس أن النظرية القانونية للديون الجائرة، تنطبق «بامتياز» على الحالة اللبنانية، ويتساءل كيف نجحت دول مثل كوبا وكوستاريكا وإثيوبيا وإندونيسيا... في تطبيق هذه النظرية لإلغاء أجزاء مهمّة من ديونها المصنّفة «جائرة»، فيما البعض في لبنان يرفض حتى النقاش في هذا الأمر، ويمارس نوعاً من الإرهاب على كل من يطرح مبادرات من هذا النوع. وبالفعل، تعرّض ألفترياديس لضغوط كبيرة من أجل وقف حملته، كما تعرّض لتهديد مباشر من جانب رئيس جمعية المصارف فرانسوا باسيل، الذي طالب بتحريك النيابة العامة ضده بذريعة «أن الدعوة إلى عدم دفع ديون لبنان الجائرة تسبّب، بقصد أو بغير قصد، تهديداً إضافياً للاستقرار النقدي، وأنها تستند إلى حجج اعتباطية، تنطوي على إساءة مجانية إلى سمعة لبنان الائتمانية...».
لقد اضطرت الحملة، في غضون سنة على إطلاقها، إلى تعديل مطالبها على قاعدة المثل الشائع «لا يفنى الغنم ولا يموت الديب»، فرفعت مطلب تسوية الديون بما لا يؤدّي إلى أزمة في القطاع المصرفي اللبناني. إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار تجاهل مطالبها، علماً بأن صداها تردد لدى أكثر من مؤسسة دولية تعنى بمسائل الديون في الدول الفقيرة والنامية. كما تلقّى ألفتريادس دعوات لزيارة دول عدّة في أميركا اللاتينية، وألقى محاضرات في أندية وجامعات لبنانية وفي دبي، ونجح في حشد 6 آلاف مؤيّد للحملة عبر موقع «فايس بوك»، وكل ذلك لم يسترع اهتمام الطبقة السياسية التي واظبت على إنكار وجود «الديون الجائرة» واختلاق الأكاذيب لتبرير الاستدانة الكثيفة، بالحديث عن كلفة الإعمار تارة، والإنفاق على الجيش تارة أخرى، وصولاً إلى اعتبار أن الكهرباء هي المسؤولة عن تراكم ثلث الديون.
تتصل نظرية «الديون الجائرة» بشرعية الدين أو عدم شرعيته، وبالتالي فإن لكل دولة الحق بعدم تسديد أي دين لا يستوفي شروط «الشرعية». إلا أن ممارسة هذا الحق تتطلب تحقيقات جدّية وموثوقة لتحديد ماهية الديون غير الشرعية وحجمها والجهات المعنية بها، وبالتالي إيجاد آليات للتحكيم بينها وبين الدولة من أجل التخلّص من هذه الديون أو خفضها أو استعادة الفوائد المدفوعة عليها أو على الأقل خفض كلفة هذه الفوائد... كما تتطلب اعتماد قوانين صارمة تمنع الحكومات من التصرّف بصورة غير مسؤولة في هذا المجال، وتمنعها أيضاً من استخدام أي ديون جديدة لخدمة الديون السابقة. ويقترح ألفتريادس إنشاء محكمة دولية مستقلة للنظر في هذه القضية، على أن تتخذ الحكومة إجراءات في هذا الوقت تقضي بوقف مؤقت لمدفوعات الفوائد عند استحقاقها، تمهيداً للاتفاق على إعادة هيكلة الديون بما لا يمنح الدائنين ميزة على حساب سائر اللبنانيين.
هناك تجارب عديدة تدعم هذا الاتجاه، ولبنان لن يكون حالة فريدة. فقد توقفت الحكومتان البريطانية والفرنسية عن السداد في الثلاثينيات، عندما اعتبرتا أن حاجات شعبيهما أهم من الالتزامات القانونية أمام الدائنين... ولدى العديد من الولايات الأميركية تاريخ طويل في الامتناع عن السداد. وقد حصلت ألمانيا وإندونيسيا وبولندا على إلغاء جزئي للديون في الماضي، وفرضت المكسيك والبرازيل والأرجنتين على الدائنين إعادة جدولة ديونها.
(الأخبار)