ريف دمشق | عاد زهران علوش، قائد تنظيم «جيش الإسلام» المسلّح، إلى تهديد سكان العاصمة السورية دمشق. الرجل الذي يقدّم نفسه كقائد لمشروع «تحرير» العاصمة وأهلها من النظام، لا يجد ما يقدّمه لسكان دمشق إلا الصواريخ التي سيسقطها على رؤوسهم ابتداءً من اليوم «وحتى إشعارٍ آخر»، بذريعة «الرد على الغارات الجوية الهمجية التي ينفذها النظام على مدينة دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية». فعلها علّوش يوم 25 كانون الثاني الماضي.


هدّد بقصف الشام، ثم نفّذ تهديده، فانهمرت الصواريخ على الأحياء السكنية، لتزهق أرواح 7 مدنيين، وتجرح أكثر من 50 مواطناً. في اليوم التالي، خرج ليقول إنه فشل في إرساء معادلة ردع للنظام، واعداً بـ«مفاجأة». لكن هذه المفاجأة لم تكن سوى الوعيد بقصف المدنيين مرة جديدة، وهو ما يقوم به كل يوم تقريباً، لكن بوتيرة منخفضة. التغيير الذي يعد به ليس إلا في زيادة عدد الصواريخ التي يهدد بإطلاقها فوق رؤوس الدمشقيين.
تهديد علّوش أتى على حساب «تويتر» الخاص به، إذ قال: «إننا نعلن مدينة دمشق بالكامل منطقة عسكرية ومسرحاً للعمليات»، طالباً من «المدنيين وأعضاء البعثات الدبلوماسية وطلاب المدارس والجامعات عدم الاقتراب من أي مقر من مقارّ النظام أو حواجزه أو المسير بجانب السيارات التابعة للنظام أو التجول أثناء أوقات الدوام في شوارع العاصمة... ابتداءً من صباح غد الأربعاء (اليوم) ... بسبب اكتظاظ العاصمة بالثُّكَن العسكرية والمراكز الأمنية ومرابض المدفعية ومقارّ القيادة والسيطرة التابعة للنظام».
هذا الوعيد أتى بعدما دخل علّوش في تحالف جديد مع «جبهة النصرة» (تنظيم القاعدة في بلاد الشام). كلمات التقارب التي صاغها فعلت فعلها. في آخر «خطبة جمعة» له، باتت «النصرة» التي كانت عدوة الأمس حليفاً ميدانياً يجري التنسيق معه. فبعد مقدمةٍ طويلةٍ شرح فيها علوش ضرورة «تنظيف صفوفنا من حثالة المقاتلين»، أكد أن «الجولة الأولى كانت قضاءنا على المفسدين مما يسمى جيش اللمة (الأمة)، وبإذن الله وعون جيوشه ستكون المرحلة المقبلة مماثلة للغابرة، لكن هذه المرة سنضرب بيدٍ من حديد المفسدين في بسيطة غوطتنا المباركة». وفي التفاصيل، جاء علوش على ذكر التقارب مع «النصرة» التي سمَّاها على طول خطبته بـ«إخوتنا الأقرب إلينا»، حيث لفت إلى أن «العداوات قد فتكت بإخوة الدين والدم والجهاد في سبيل الله. وبفضلٍ من الله عز وجل، اجتمعت كلمتنا وكلمة إخوتنا الأقرب إلينا لمكافحة المفسدين في أرضنا المباركة». جوهر شعار «مكافحة الفساد والمفسدين» الفضفاض لم يعد خافياً على المتابعين للأحداث في الغوطة الشرقية، حيث تجري تحت تلك الحجة عمليات ضرب منظمة للفصائل التي رفضت أن تكون تابعة للتنظيمين. على هذا الأساس، شنّ «جيش الإسلام» و«النصرة» هجومهما على المسلحين المحليين في بلدة سقبا، إذ افتتحت «الحملة» بالهجوم على مقار تابعة لكلٍّ من «كتيبة أبو عبيدة ابن الجراح» و«لواء فسطاط المسلمين». ومع حملات الدهم والاعتقالات التي استمرت حتى ظهر أمس، وأدّت إلى اعتقال 120 مقاتلاً، أقدم أحد مقاتلي «الفسطاط» على تفجير نفسه، ما أدى إلى مقتله واثنين من مسلحي «جيش الإسلام» الذين حاولوا اعتقاله، فضلاً عن جرح عشرة مسلحين.
جاء ذلك قبل أن يتحول المشهد في عموم البلدة إلى مناوشاتٍ بين أهاليها ومقاتلي علوش، ولا سيما بعد عمليات السرقة و«التعفيش» التي لم تتوقف عند حدود السيطرة على المقار العسكرية وسرقة سياراتها وأسلحتها وأثاثها، بل طالت نهباً واسعاً لمنازل المدنيين ومستودعات الأغذية. على الإثر، خرج عدد من أهالي البلدة في تظاهرة رشقوا خلالها آليات «جيش الإسلام» التي تمركزت في ساحات سقبا، ما أدى إلى سقوط ثلاثة جرحى بعدما فتح مقاتلو التنظيم النار على المتظاهرين.
إعلامياً، أكد «جيش الإسلام» أن حملته طاولت فصائل عسكرية «مشبوهة بمبايعتها لداعش». هذا الزعم تنفيه مصادر معارضة في اتصالٍ مع «الأخبار»، مؤكدة أن «الفصيل الوحيد الذي بايع داعش خلال الفترة الماضية هو جماعة الأنصار، وهؤلاء لا يزيد تعدادهم على عشرين مقاتلاً متمركزين على أطراف البلدة القريبة من جبهة جسرين، ولا صلة لأهالي سقبا بهم». وتجزم المصادر بأن «اقتحام البلدة قد جرى من دون أي اشتباكٍ بين جماعة علوش وجماعة الأنصار».
اصطدام تحالف «النصرة ـ علوش» بالظواهر المحلية يأتي بحسب عبادة السيد، أحد مقاتلي «الجيش الحر» في عين ترما، في سياق «سعي هؤلاء إلى السيطرة على الغوطة كاملةً، بعد تحويل كل مقاتل شريف إلى سجن التوبة وأمثاله». ويلفت السيد «الأخبار» إلى أنّ علوش يسعى إلى «أن يكون له موطئ قدمٍ في سقبا وجوارها، وذلك لتصبح كامل دمشق تحت مرمى قذائفه. من جوبر يجري ضرب مراكز العاصمة ودمشق القديمة، ومن سقبا تُضرب مناطق شرقي العاصمة كالدويلعة وجرمانا والطبالة».
إلى ذلك، أصدرت «القيادة العامة للاتحاد الإسلامي لأجناد الشام» بياناً اتهمت فيه «النصرة» بمحاولة اغتيال قائد «كتائب الشام» التابعة للتنظيم، أبو نعيم يعقوب، في عربين، مطالبة «بتقديم كل من قام بهذه الجريمة ومن أمر بها للمجلس القضائي للغوطة الشرقية» فضلاً عن دعوة «النصرة» إلى «الرجوع عما قاموا به من تكفير شبابنا المجاهد ووصفهم بالمرتدين ووصف المدنيين بالعلمانيين الخارجين عن الدين».