لا جديد في عملية إعدام تنظيم «الدولة الإسلاميّة» (داعش) للطيّار الأردني معاذ الكساسبة، سوى طريقة التنفيذ. التنظيم المتطرّف سبق أن نفّذ عشرات عمليات الإعدام بذريعة «إقامة الحدود، وتطبيق الشريعة». ومن الواضح أنّ اختيار القتل حرقاً جاء سعياً إلى إحداث صدمة نفسيّة تعيدُ له بعض «الهيبة» الضائعة. ومع الأخذ في الاعتبار تأكيدات المصادر الأردنيّة الرسميّة، وبعض المصادر «الجهاديّة» أنّ إعدام الكساسبة حصل قبل نحو شهر من الآن، غيرَ أن تأخير بث الشريط «حتى اللحظة المناسبة» يُقدم إثباتاً جديداً على أن «الاستراتيجيات الداعشيّة» تتجاوز المعهودَ عن التنظيمات «الجهاديّة» التي خرج من رحمها.


ومن المُسلّم به أن توقيت بث الشريط الذي سُمي «شفاء الصدور» بالتزامن مع الانكفاءات المتتالية للتنظيم في سوريا والعراق يعكس استشعار «داعش» خللاً كبيراً في «توازن الرعب»، الذي كان له أثرٌ وازنٌ في بعض معارك التنظيم، كما في اجتذاب المزيد من المقاتلين. وفيما كان البعض يُراهن على أن حادثة أسر الطيار قد تُثير الشارع الأردني، وتؤلبه على دولته، بدا أنّ عملية الإعدام ستولد نتائج معاكسة، وتهيّئ الرأي العام الأردني لدعم أي تحرّك أردني ضدّ التنظيم.
القيادة العامة للقوات الأردنية أصدرت بياناً أكّدت فيه «اغتيال الشهيد الكساسبة على يد تنظيم داعش الإرهابي في 3 كانون الثاني الماضي». البيان أكّد في الوقت نفسه أنّ «دم الشهيد لن يذهبَ هدراً، وأنَّ قصاصها، من طواغيت الأرضِ الذين اغتالوه ومن يشد على أيديهم سيكونُ انتقاماً بحجم مصيبة الأردنيين جميعاً». وأكدت مصادر قريبة من «داعش» أن إعدام الكساسبة «تمّ تنفيذه في مطلع الشهر الماضي، في البناء الملاصق لمبنى الأمن السياسي بالرقة». المصادر برّرت اختيار المكان بأنّه شهد مقتل 25 عنصراً من «داعش» في قصف نفّذه طيران «التحالف الدولي» في وقت سابق لأسر الكساسبة. تنفيذ العملية في التوقيت المذكور (في حال دقّته) يبدو لافتاً، ويدلّ على أن التنظيم لم يستغرق وقتاً طويلاً في الحكم والتنفيذ (أسر الكساسبة يوم 24 كانون الأول الماضي بعد سقوط طائرته الحربية قرب مدينة الرقة). تحدّثت مصادر أخرى عن «حرمان الكساسبة الطعام لمدة خمسة أيام قبل إعدامه»، وردّت ذلك إلى «حكمٍ صدر عن أعلى المرجعيّات الشرعيّة في الدولة يقضي بموته جائعاً، ومُحرّقاً».

نفّذ الإعدام في البناء الملاصق لمبنى الأمن السياسي في الرقة

المصادر أكّدت أن «هذا الحكم جاء ثأراً لشهداء المسلمين الذين أحرقتهم غارات التحالف جائعين، خائفين». وفيما انشغل «الجهاديّون» المناوئون لـ«داعش» بالتسابق في تأكيد «حرمة الإحراق» ردّ مناصرو التنظيم بالقول إن الحكم جاء استناداً إلى الآية القرآنيّة: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم». واختارت أوساط «جبهة النصرة» (فرع تنظيم القاعدة، وأبرز مناوئي «داعش») العزف على وتر المؤامرة، ووضعت العملية في سياق «اختراق داعش من قبل المخابرات الأردنية». ورأى هؤلاء أنّ «الهدف من وراء ذلك تقديم ذرائع للأردن لشنّ هجوم كبير على التيار الجهادي في الأردن، مع دوافع سياسية للحرب على الثورة السورية».
وإثر بث الشريط، قطع الملك الأردني عبد الله الثاني زيارته للولايات المتحدة، ثم توجه بكلمة مقتضبة إلى الشعب الأردني، قال فيها إنه «حزين لاستشهاد الكساسبة على يد الزمرة المجرمة الضالة التي لا تمت للإسلام بصلة، وإن الطيار الكساسبة قضى دفاعاً عن عقيدته ووطنه وأمته والتحق بمن سبقوه من شهداء الوطن الذين بذلوا حياتهم ودماءهم فداءً للأردن». بدوره، قال رئيس مجلس النواب الأردني عاطف الطراونة إن «هذا التنظيم (داعش) يبتكر أساليب قتل غير مسبوقة، مع أن الأردن الرسمي كان مستعداً لإطلاق سراح ساجدة الريشاوي وغيرها مقابل إطلاق سراحه (الكساسبة). على الأردنيين الآن مواساة عشيرة الطيار والتوحد خلف الجيش لنلملم الجراحات». ونقلت وكالة الأنباء الأردنية «بترا» عن الطراونة ثقته بـ«أن الإرهاب سينال جزاء ما اقترفت يداه. (...) يتوجب على دول التحالف أن تخلص العالم من شرور هذا التنظيم الإرهابي». بدوره، وزير الدولة لشؤون الإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني توعّد بأنّ «رد الأردن على اغتيال الطيار البطل معاذ الكساسبة من قبل تنظيم داعش الإرهابي سيكون حازماً ومزلزلاً وقوياً». وقال المومني في تصريح للتلفزيون الأردني إن «غضب الأردنيين سيزلزل صفوف تنظيم داعش الإرهابي». وفي اتصال لـ«الأخبار» مع شقيق الطيار، جودت الكساسبة اعتذر الأخير عن عدم التعليق «لأن مصاب العائلة كبير، وفوق الوصف». وتواترت أنباء عن قيام السلطات الأردنية بنقل ستة مدانين بتهم تتعلق بالإرهاب إلى سجن سواقة، الذي تُنفذ فيه عمليات الإعدام عادةً، تمهيداً لإعدامهم. وعلى رأس الأسماء تأتي العراقية ساجدة الريشاوي (المدانة بقضية تفجيرات فندق راديسون عمّان في عام 2005)، وزياد الكربولي (عراقي من مدينة القائم وابن شيخ عشيرة الكرابلة «الدليم»، أعلنت المخابرات الأردنية أنها أسرته من الأراضي العراقية واتهمته بأنه مسؤول الغنائم في تنظيم أبو مصعب الزرقاوي).
الشارع الأردني: غضب وصدمة
لم يعتبر الشارع الاردني (مراسلة «الأخبار» حنين القواسمي) نبأ قتل الطيار الأردني مفاجأة، إذ كان أمراً متوقعاً. خاصةً بعد أن حل الغموض على المشهد، رغم نداءات الأردن التي وُجهت مراراً إلى تنظيم «داعش» مطالبة بأي إثبات يدلّ على أن الكساسبة ما زال على قيد الحياة. لكن الصدمة خيّمت على الشارع الأردني من جرّاء تفنن التنظيم المتطرف في تنفيذ الإعدام. وعلمت «الأخبار» أنّ ذوي الكساسبة قد توجهوا إلى محافظة الكرك التي ينتمون إليها، بعد تداول أنباء عن انتشار أعمال شغب بين أهالي المنطقة استهجاناً لإعدام الطيار.
وتجمهرت حشود هائلة أمام مبنى ديوان أهالي الكرك في محافظة عمان عقب شيوع الخبر. ورُفعت صور الكساسبة، وأعلام الأردن وسط أجواء الحزن والغضب. وكرّر عدد من المحتشدين التأكيد أن «التنظيم الإرهابي لا يمكنه أن يهز شعرة من الأردن وأبنائه. وأن الأردنيين سيجعلونهم يدفعون الثمن غالياً».