القاهرة | بعدما عملت تحت مسمى جماعة «أنصار بيت المقدس» في تبنيها العمليات الممتدة من شمال سيناء إلى شرق القاهرة، حدث التحول المنتظر الذي أكد ما ذهبت إليه غالبية التحليلات في الربط بين هذه الجماعة، وتنظيم «الدولة الإسلامية ـ داعش». ففي الثاني من تشرين الثاني الماضي، أعلنت الجماعة مبايعتها «داعش» وأميرها «أبي بكر البغدادي خليفة في العراق والشام... وسائر بلاد المسلمين»، وصار اسمها «ولاية سيناء».


أكمل هذا التحول عمليا ما أعلنه تنظيم الدولة وأرفقه بخريطة تتضمن التوسع في غالبية الدول العربية، فبعدما أوجد «داعش» موضع قدم له في كل من سوريا والعراق، وجد مفصلا قويا يرتكز عليه في مصر، وليست مصادفة أن تكون مبايعة بيت المقدس بعد إنشاء «ولاية برقة» في الجارة ليبيا، وهي قضية أخرى مهملة.

بين أسطر بيان التبني السريع للعملية الأخيرة تلتقط إشارات خطيرة

برغم ذلك، لم تكن «المبايعة» الرابط الوحيد بين «أنصار بيت المقدس» و«داعش»، فالسلطات المصرية أعلنت، قبل أسابيع من «البيعة»، أن الجماعة «أقامت صلات وثيقة مع الدولة الإسلامية، بل نشرت تسجيلات مصورة لقطع رؤوس أشخاص قالت إنهم تجسسوا عليها لمصلحة إسرائيل»، وهي الطريقة نفسها التي يبتعها تنظيم الدولة في التعامل مع «أعداء الدين».
لم يمض أسبوع على إنشاء «ولاية سيناء» حتى خرج البغدادي في بيان صوتي مسجل (الثامن من تشرين الثاني الماضي)، ليتحدث عن الضربات الجوية للتحالف الدولي، قائلا إنها لن تمنع توسع «الخلافة»، ومستدلا في الوقت نفسه بمبايعة «أنصار بيت المقدس». وأضاف في التسجيل الذي بثته مؤسسة الفرقان: «نبشركم بإعلان تمدد الدولة الاسلامية إلى بلدان جديدة... إلى بلاد الحرمين واليمن، ومصر وليبيا والجزائر، ونعلن قبول بيعة من بايعنا من إخواننا في تلك البلدان، وإلغاء أسماء الجماعات فيها، وإعلانها ولايات جديدة للدولة، وتعيين ولاة عليها».
في التعاطي الرسمي والإعلامي بدا تحول الجماعة المسلحة إلى «ولاية» كأنه حدث عابر، لكنه حقيقة تموضع أعد له جيدا، ويمكن القول إنه استغرق وقتا وإعدادا، بل إن الدلائل لا تذهب باتجاه فكرة تفترض أن «محاصرة بيت المقدس والتضييق عليه دفعاه إلى مبايعة داعش»، إذ إن شواهد تلك التحليلات نفسها تدفع نحو اتجاه مغاير تماما، فـ«ولاية سيناء» بدت أوسع من «أنصار بيت المقدس»، وظهر هذا جليا في العروض العسكرية التي جابت شوارع سيناء بسيارات الدفع الرباعي المحملة بمسلحين مكشوفي الوجوه (راجع العدد ٢٥٠٤ في ٢٨ كانون الثاني)، وعليها رايات الدولة.
أكثر من ذلك، فأسلوب توثيق العمليات ضد الجيش والشرطة يؤكد حضور الجاهزية العالية والإمكانات اللازمة. مثلا سرعة التواصل عبر الإنترنت ورفع مقاطع الفيديو على الشبكات التابعة للمسلحين يطرح علامات استفهام على الحظر التي تفرضه الدولة على الاتصالات في سيناء.، كما اتخذت «الولاية» الجديدة منحى «داعش» بتأسيس مجموعة إنتاج إعلامي تطلق على نفسها «مجموعة فتى المعارك»، فضلا عن محاولتها استحضار البعد الإنساني بتوثيق توزيعها «مظاريف مالية على المتضررين»، في إشارة إلى متابعة الحاضنة الشعبية والحرص على تعزيزها.
ومن أجل فهم سر النجاح السريع، فإن بيئة سيناء تتوافر فيها عوامل تساعد التنظيم على التمدد، منها غياب الدولة المصرية في البعد الإنمائي، واستشعار سكان سيناء بالمظلومية التاريخية. ثالثا يوجد غياب أمني في منطقة رخوة وحدودية، فضلا عن تغليب القاهرة الحلول الأمنية والعسكرية قبل كل شيء. وجغرافيا، فإن اتساع مساحة سيناء يتيح للتنظيم حرية الحركة، ولكن الأخطر وجود منافذ بحرية على الصحراء.
ولهذه المنافذ قصة مهمة، بل ترتبط بسيناريو هجوم «الخميس الأسود»، لأن بعض الروايات وتحديدا في مدينة العريش، التي جرى فيها الهجوم، تتحدث عن وجود مركب مجهول ظهر صاحبه قبل 20 يوما، وتحديدا في العاشر من الشهر الماضي. يقول أهالي العريش إن المركب كان مليئا بالأطعمة وفيه كل التجهيزات اللازمة لمجموعة أشخاص لمدة طويلة، كما ينفي حديث صيادي العريش ذوي الخبرة روايات العامّة حول أن العوامل الجوية جرفت المركب للشاطئ، مستدلين على أن القارب المركب خرج للشاطئ بخط مستقيم، ما يعني أن هدفه الوصول إلى سواحل المحافظة تحديدا. ومع أن بعض التوقعات قدرت أن المركب حمل بعض المسلحين، فإن السلطات لم تبحث الأمر أمنيا، وإعلاميا خرجت روايات أخرى تربط بين المركب وغزة.
كذلك يمكن التقاط دلالات مهمة في سرعة تبني «ولاية سيناء» الهجوم الأخير، فهي سارعت إلى شرح تفاصيل فضلت الدولة التكتم عليها، بل اكتفت الأخيرة بإعلان عدد الضحايا من العسكريين، مع تكتم على عدد من قتلوا من مدنيين داخل سجن الكتيبة 101. فعلى المستوى الاستراتيجي، جاءت الاعتداءات بعد تصريحات القوات المسلحة بأنها شارفت على الانتهاء من تطهير سيناء، حتى إنه يمكن رصد أكثر من ثمانين خبرا متتاليا على المواقع المصرية على مدار ثلاثة شهور ماضية كلها تحمل خبر إلقاء القبض على عناصر من «بيت المقدس»، وبعضها يفيد بمقتل عشرات هنا وهناك، فضلا عن تدمير بؤر ومخازن، لتأتي العملية موحية بأن الروايات التي تقول إن الحرب على الإرهاب قد آتت أكلها ربما لم تبدأ بعد!
أمر آخر يزيد خطورة عما تعلنه الرواية الرسمية، فهذه الظاهرة المسلحة تتخطى كونها مجرد مجموعات متقطعة أو أفراد. لذا ليس مبالغة تصور وجود تنظيم واسع ومعقد، وذي بنية متشابكة تمتلك رصيدا كبيرا من الخبرة العسكرية والعملياتية، ما دعا السلطات إلى الحديث عن «عائدين من سوريا»، لكن قبول البغدادي «بيعة أنصار بيت المقدس» كانت تعني من الأساس أن الرجل ملم بمقدرات وإمكانات التنظيم، وحديثه عن تعيين ولاة يعني أن هناك تواصلا أكثر تفصيلا. ومن دون الاستغراق في شواهد الفكر والممارسة وتقاطعاتهما ما بين «داعش» و«ولاية سيناء»، يمكن الاكتفاء بحيثيات المسكوت عنه في بيان الأخيرة الذي تبنى العملية، فقد كشفت أسطُره تطورا في أداء التنظيم وقدراته بصورة تختلف تماما عن كل العمليات السابقة التي تبناها، بما فيها محاولة اغتيال وزير الداخلية، اللواء محمد ابراهيم، في مدينة نصر (شرق القاهرة) في الثاني من أيلول 2013. في «عملية الخميس» هاجمت «ولاية سيناء» أكثر من مقر في التوقيت نفسه، والحديث هنا عن مقار لا عن حواجز صغيرة. والاستهداف، كما هو معلوم، استهدف الكتيبة 101 واستراحة الضباط في العريش ومديرية أمن شمال سيناء. ويفصّل البيان حيثيات العملية بالحديث عن تفخيخ ثلاث عربات، واحدة منها كانت صهريج ماء احتوى على عشرة أطنان من المتفجرات، وهذا كله يمثل تحديا كبيرا للقاهرة عسكريا واستخباريا، إذ كيف حصل التنظيم على هذه الكمية واستطاع التعامل معها، وهل يكون قد قدم كمية كبيرة من مخزونه في عملية واحدة، أم أنه يعمل بأريحية؟ أيضا، كيف تحركت العربات الثلاث ومن أين جاءت إلى وسط العريش، ولمَ لم تكتف «ولاية سيناء» بالعربات المفخخة وبادرت إلى استخدام الهاون والهجوم المباشر؟
الأريحية والجاهزية لا تبدوان في الإجابة عن التساؤلات السابقة بقدر ما يفسرهما البيان الذي ذكر أن العملية تضمنت هجوما مسلحا شارك فيه 100 مقاتل (قالت مصادر أمنية إنهم 60). وإلى جانب التلميح عبر العدد إلى أن التنظيم في تزايد عددي وتسليحي، ثمة رسالة خارجية تقول فيها «ولاية سيناء» إنها قادرة على التحرك بأريحية، ما سيفتح شهية عناصر كثيرين للالتحاق بها من داخل مصر أو حتى خارجها. ومن الجيد الإشارة إلى أن التنظيم يفضل عناصر الخارج، لأنهم يكونون مدربين بصورة جيدة، وهو ما يستدل عليه باشتراط الولاية أن يكون «الراغب في الجهاد» متدربا، وعلى الجاهزية للمشاركة في القتال مباشرة، وهذا أيضا يحمل دلالة على أن لدى «الولاية» فائضا بشريا جيدا يدعوها إلى الاشتراط.
مع التطورات الأخيرة، فإن المستقبل يوحي بأن التقاطع بين الولاية الجديدة والتنظيم الأم سيتخطى حدود التلاقي الفكري والمصلحي، بل من المرجح أن يمتد لتصير مصر مركزا جديدا لخريطة «تنظيمات جهادية» متصارعة، أو ربما متحالفة (كأجناد مصر)، وإن كان الخيار الأخير مستبعدا لعمق الخلافات بين هذه الجماعات، لكن المتفق عليه أن مصر باتت محط اهتمام أوسع لا يقتصر على سيناء فقط، وهو الأمر الذي يفسره إعلان الداخلية المصرية (20 تشرين الثاني) اعتقالها «متشددا مصريا قاتل في سوريا مع جماعة لها صلة بجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعاد لتدريب مصريين على صنع القنابل»، إذ قال بيان الداخلية آنذاك إن «هاني شاهين اعترف بتلقي أوامر من ألوية الفرقان الإسلامية (يتمركز في الجولان المحتل) لتدريب مصريين في محافظة الغربية التي أعلن فيها ضبط خمس خلايا إرهابية تضم 38 متشددا».