القاهرة | في وقفة احتجاجية نسائية للتنديد بمقتل شيماء الصباغ التي قتلت بطلقات خرطوش خلال مشاركتها في إحياء ذكرى شهداء ثورة «25 يناير»، وقف ضابط برتبة لواء ممسكاً بمكبر صوت يتحدث إلى السيدات المشاركات في المسيرة قائلاً: «قوات الأمن موجودة لحمايتكن حتى لا يندس أحد وسطكم»، وما إن قال اللواء هذه الكلمات حتى بدأ العشرات من الرجال والنساء المؤيدين للرئيس عبدالفتاح السيسي في التجمع خلفه والهتاف للنظام وللشرطة.

تهتف المسيرة المنددة بمقتل الصباغ «الداخلية بلطجية»، فيردّ عليها مؤيدو النظام من خلف قوات الأمن: «الشرطة مية مية».

حديث لواء الشرطة ووجود متظاهرين مؤيدين، دفعا الداعين للوقفة الاحتجاجية إلى إنهائها عقب ما يقرب من ٤٠ دقيقة من بدئها تجنباً لوقوع اشتباكات وحرصاً على سلامة المشاركات فيها.
فبعض الأشخاص الذين يتظاهرون تأييداً لأي نظام سياسي في مصر منذ ثورة «٢٥ يناير»، ويلقبون بـ«المواطنين الشرفاء» باتوا إحدى أذرع النظام في مواجهة معارضيه إذا ما عجز عن المواجهة رسمياً، ممثلاً بقواته الشرطية والعسكرية، بل أحياناً يدفعهم النظام إلى الاشتباك مع معارضيه، ثم تتدخل الشرطة بحجة فض الاشتباك وتلقي القبض على المعارضين دون المؤيدين.
ويزداد استخدام النظام لـ«المواطنين الشرفاء» للدفع باشتباكات أو للتهديد بالاشتباك إذا كانت المسيرة مقتصرة على السيدات.
وتتباين ردود أفعال النظام المصري تجاه الاعتصامات والاحتجاجات التي تقودها النساء، ففي الوقت الذي لا تتردد فيه قوات الأمن في أخذ قرار سريع بالتدخل الأمني العنيف لتفريق التظاهرات والمسيرات العادية، تحتار في الطريقة التي تفرق بها الفعاليات الاحتجاجية التي تتصدرها النساء، فتتدخل مباشرةً إذا ما كانت المحتجات من المؤيدات أو المنتميات إلى جماعة الإخوان المنحلة، وتستدعي المواطنين الشرفاء إذا ما كان الاحتجاج تابعاً لقوى سياسية أخرى.
ليلى سويف، الأستاذة في جامعة القاهرة، التي شاركت في الوقفة المنددة بمقتل شيماء الصباغ، أوضحت أن «معاملة الأمن مع الاحتجاجات السياسية النسائية تخضع لتكتيكات مختلفة. فالوقفات التي ينظمها أو يشارك فيها نساء «الإخوان» لا تتردد الشرطة في فضّها بالقوة، لكن في وقفة مثل وقفة التنديد بمقتل شيماء الصباغ، لا تسعى الشرطة حينها إلى العنف حتى لا تزداد الأمور توتراً»، لافتة في حديث لـ«الأخبار»، إلى أنه «ليس هناك سياسة واضحة بالنسبة إلى تعامل الشرطة، الأمر كله حسب تقديرهم».
وأضافت سويف: «الأمن يحسب جيداً للأمور التي تفتح عليه أبواب للانتقاد دون أن يكون لديه مبررات مقنعة. فمثلاً هم يتصورون والإعلام يروج أن «الإخوان» دمهم مباح، فلا يترددون في استخدام العنف معهم، لكن مجموعة من الناشطات يحتججن على مقتل شيماء لن يستطيعوا تبرير الاعتداء عليهن».
وخلال الأعوام الماضية شهدت الميادين والشوارع المصرية عدة احتجاجات كانت تقتصر المشاركة فيها على النساء فقط، ربما كان أشهرها منذ ٣ يوليو الاعتصام النسائي الذي شاركت فيه ٣٠ سيدة أمام قصر الاتحادية بدعوة من زوجات الناشطين السياسيين أحمد ماهر وأحمد دومة احتجاجاً على قانون التظاهر عقب صدور حكم يقضي بحبس الناشطين بموجبه.
غادة نجيب الناشطة السياسية وإحدى المشاركات في المسيرة قالت لـ«الأخبار» إن «النظام رغم كل بطشه لا يزال يراعي نقطة أننا في مجتمع شرقي في بعض الأحيان، كذلك فإنه يحسب حساباً للمجتمع الدولي. فالوقفات النسائية تحرج الأنظمة دولياً إذا اعتُدي عليها، لأنهم لا يجدون مبرراً للاعتداء. فالنساء لا يحملن شماريخ ولا يبادرن بالاعتداء، وهي المبررات التي تستخدمها وزارة الداخلية لتبرر فضها للمسيرات بالقوة».
ويرجع الحقوقي جمال عيد في تحليله لمعاملة الشرطة مع النساء المحتجات إلى عام ٢٠٠٥ في الواقعة الشهيرة التي تحرشت فيها قوات الأمن بالصحافيات والمتظاهرات خلال وقفة احتجاجية لرفض تعديلات دستورية، أمام نقابة الصحافيين في ما عرف بعد ذلك بـ«الأربعاء الأسود»، وقال عيد لـ«الأخبار» إن النظام «يعمد إلى التحرش بالمتظاهرات السياسيات وانتهاكهن لكسرهن، معتمداً في ذلك على بلطجية يجري استجلابهم لنشر الخوف بين الناشطات والتعرض لهن إن أراد ذلك».
ويواصل عيد قائلاً إنّ «الأسوأ من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء خلال مشاركتهم في الأحداث السياسية هو سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها الحكومة، فالنيابة المصرية لم تدن الحكومة في وقائع «الأربعاء الأسود»، لكن حين رُفعت القضية في أحد المحافل القضائية الدولية أدانت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقية جهاز الشرطة والحزب الوطني المنحل، وألزمت الحكومة المصرية بتعويض الضحايا».