تتضافر عوامل عدة، داخلية وخارجية، لإعادة الحديث عن الاستراتيجية الأميركية في اليمن إلى الضوء. وفي كلّ مرةٍ تشهد فيها الساحة اليمنية متغيّرات على مستوى موازين القوى، تحاول واشنطن حجز مكانٍ لها ضمن المعادلات الجديدة. ففي أيلول الماضي مثلاً، حين تمكّنت جماعة «أنصار الله» من تغيير النهج السياسي المتبع في اليمن، وإعلانها بدء مرحلة جديدة بعيدة من الرعاية الأميركية ـ السعودية لهذا البلد، عادت واشنطن من بوابة العمليات ضد «القاعدة»، بعد توقف عملياتها الجوية مدة طويلة، لتسعير المعارك التي كانت قد بدأت بين الحوثيين و«القاعدة» وسط البلاد.


اليوم، ومع وقوف اليمن على حافة الفراغ، بعد استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة، يقفز إلى الواجهة حديث عن دورٍ أميركي جديد في اليمن، حيث ذهب بعض المسؤولين الأميركيين فضلاً عن خبراء، باتجاه دعوة الإدارة الأميركية إلى تدخل برّي أوسع في البلد الذي تتمركز فيه قوات أميركية في قاعدة العند الجوية في الجنوب، من دون قيامها بعمليات برّية، لتقتصر بذلك الاستراتيجية الأميركية ضد «القاعدة» منذ عام 2002، على ضربات الطائرات من دون طيار.
بعد تعليق عمل معظم مؤسسات الدولة في اليمن، أغلقت واشنطن سفارتها في صنعاء، ثم سجّلت أول عملية جوية ضد «القاعدة» في مأرب (شرق)، حيث يستعد الحوثيون لمعركة كبرى مع التنظيم المتطرف في المحافظة الأغنى بالنفط والغاز اليمنيين.

دعا ماكين إلى إرسال قوات خاصة إلى اليمن

وعقب الهجوم على «شارلي ايبدو» في 7 من الشهر الجاري، ركّزت تقارير صحافية على كون «القاعدة في اليمن» هو الفرع الوحيد للتنظيم الدولي الذي لا يزال قادراً على مواجهة «العدو البعيد»، أي أميركا وحلفائها الغربيين. هذا المشهد الذي أطلق الهجوم الباريسي شرارته، يبدو أنه يُستكمل اليوم مع الغموض الذي يخيّم على مستقبل العملية السياسية الداخلية في اليمن. من هنا، أثيرت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وصنعاء، وخصوصاً تحت عنوان «مكافحة الارهاب». وتساءل بعض الاعلام الغربي، كمجلة «ذا نيو ريبابليك» الأميركية، عما إذا كانت الحكومة المفترضة المقبلة، إذا هيمن عليها الحوثيون، ستجفف موارد البيانات والمعلومات الاستخبارية التي اعتادت صنعاء تقديمها لواشنطن طيلة السنوات الماضية، في إطار الحرب الأميركية على «القاعدة في اليمن».
تقلق واشنطن من احتمال إرساء نظامٍ تسيطر عليه «أنصار الله» التي تتخذ من عبارة «الموت لأميركا» شعاراً لها، بعدما كانت صنعاء حليفةً وثيقة للولايات المتحدة في المنطقة. من هذا المنطلق، يتجه مسؤولون أميركيون إلى «الانتفاض» على نهج الاستراتيجية الأميركية المرتكزة بمعظمها على سياسة «التحكم عن بعد»، أي الاعتماد على الضربات الجوية فقط. وقد دعا العضو في الكونغرس الأميركي، جون ماكين، واشنطن إلى إرسال قوات خاصة إلى اليمن، حيث قال قبل 5 أيام: «نحن بحاجة إلى قوات برية في اليمن، ويجب أن يكون لدينا القدرة على التدريب». ورأى السيناتور الجمهوري أن ما يجري في العراق، بعد تسجيل أول اشتباك بين قوات كندية وعناصر من تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، دليل على أن العمليات الجوية غير كافية في اليمن أيضاً.
هذا المناخ، عززته تصريحات أخرى في الأيام الماضية، تمحورت حول معاناة برنامج واشنطن للطائرات من دون طيار في اليمن من نقصٍ في المعلومات الاستخبارية، محذرين من تقويض الحملة الأميركية على «القاعدة». ونقلت وكالة «رويترز» عن هؤلاء المسؤولين، إجماعهم على كون سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، «سيقطع مصادر معلومات أساسية للهجمات بواسطة الطيارات من دون طيار»، حيث قال السفير الاميركي السابق في اليمن، ستيفن سيشي، إنه يتوقع تأثر التعاون بين الولايات المتحدة وأجهزة الاستخبارات اليمنية، وذلك على الرغم من تأكيد واشنطن أن جهود مكافحة الإرهاب في اليمن لن تتأثر بالاضطرابات التي يشهدها هذا البلد.
كما قال مسؤولون، بحسب الوكالة، إن النقص المعلوماتي، سيضطرهم إلى الاعتماد على طائرات استطلاع من دون طيار وأقمار تجسس وعلى التنصت الالكتروني، إضافة إلى مصادرهم «الاستخبارية البشرية» على الارض.
من جهةٍ أخرى، تحدّث خبراء أميركيون مع وكالة «الأناضول» حول «ضرورة وجود دور أميركي للتعامل مع الأزمة اليمنية»، حيث أكد، الخبير في شؤون اليمن في معهد «الشرق الأوسط» للدراسات، تشارلز شميتز، ان الأزمة السياسية التي يمرّ بها اليمن حالياً، «هي الأسوأ من ناحية ارتباطها بسياسة مكافحة الولايات المتحدة للإرهاب في شبه الجزيرة العربية، لكونها تهدد بانقسام اليمن». أما نائب رئيس منظمة «المجلس الاميركي للسياسة الخارجية»، إيان بيرمان، فقد رأى أن احتواء الولايات المتحدة لأزمة اليمن «سيجري عن طريق تعزيز الحدود الجنوبية للسعودية مع اليمن وعن طريق تعزيز حرية الملاحة في (مضيق) باب المندب»، وهي إشارة إلى أن حماية مصالح الولايات المتحدة في اليمن المتمثلة في مكافحة الإرهاب تأتي عن طريق منع تدفق المقاتلين من الأخيرة وإليها». إلا أن بيرمان قال إن «الإدارة الأميركية لا تتعامل بواقعية مع ملف مكافحة الإرهاب، فالمشكلة أنه لا ربط بين ما تعتقد الإدارة بأنها حققته في الحرب على الإرهاب، وما جرى تحقيقه بالفعل». وأضاف أن «الولايات المتحدة لم توظف الكثير لتعزيز استقرار الحكومة اليمنية قبل سقوطها».

(الأخبار)