لم تجد الحكومة التونسية حلاً لتردي الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد سوى اللجوء إلى الاقتراض من الخارج، من دون ضمانات أميركية. في الوقت عينه، تضاعف معدل الرشوة والفساد المالي في تونس ما بعد الثورة وارتفعت نسبته لتبلغ نحو 2،7 مليار دينار، ما يوازي 2٪ من الناتج الداخلي.

وعلمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة في رئاسة الحكومة التونسية أن وفداً حكومياً رفيع المستوى يترأسه كل من وزير الاقتصاد والمال، حكيم بن حمودة، ومحافظ البنك المركزي، الشاذلي العياري، توجه في جولة تمتد لأسبوع تشمل بريطانيا ودولاً أوروبية والولايات المتحدة الأميركية للتباحث حول إمكان الحصول على قرض قيمته 750 مليون دولار وبدون ضمانات من أميركا ولا من اليابان.

خروج تونس لأول مرة إلى الأسواق العالمية وبدون ضمانات مسألة رأى فيها الباحث المختص في شؤون الصيرفة والتحويلات المالية، نبيل الخياطي، أنها «امتحان صعب جداً وتجربة محفوفة بالمخاطر والمزالق» وعزا السبب في ذلك إلى أن «تونس تواجه إشكاليات كبيرة ووضعية مالية حرجة وصدامات مع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن تباطؤ نسق الإصلاحات المتفق عليها مما كان له انعكاسات كبيرة على تمويل الموازنة العامة التي خسرت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من سنة 2014 قرابة 3 مليارات دينار أي ما يعادل 15 في المئة من تمويلها».

ارتفع معدل الفساد والرشوة وبلغ نحو 2،7 مليار دينار، ما يوازي 2٪ من الناتج الداخلي

ولفت الخياطي في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «خسارة 3 مليارات دينار في الموازنة، وهو مبلغ ضخم في المالية العامة، سببها في الأساس عدم حصول تونس على قرض قيمته 500 مليون دولار منتظر من البنك الدولي و440 مليون دولار من صندوق النقد الدولي و100 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى 500 مليون دينار كانت منتظرة من الصكوك الإسلامية التي وقع تأجيلها اكثر من مرة، وهي كلها تمويلات كانت مرسومة لعام 2014 لم يتسنّ الحصول عليها وتم تأجيلها إلى العام الحالي».
وشدد على أن هذه «مؤشرات سلبية قد تساهم بصورة أو بأخرى في تعميق حالة الشك وعدم اليقين في الاقتصاد التونسي، علاوة على تقارير وكالات التصنيف الائتماني التي تراجع في كل مرة تصنيف مخاطر الاقتصاد التونسي إلى درجات سلبية»، موضحاً أن «رحلة الوفد الحكومي بهدف الاقتراض ستكون صعبة جداً وستتطلب مجهوداً كبيراً لأن الوفد قامر في الخروج إلى الأسواق العالمية بدون ضمانات واقعية».
وأشار الخياطي إلى أن «تضاعف معدل الفساد المالي والرشوة في تونس، علاوة على صعوبة الوضع الاقتصادي والموازنات المالية من شأنه أن يصعب طلبها للاقتراض من السوق المالية الدولية التي لا تعتمد في معاملاتها المحاباة ولا العواطف، بقدر ما تحكمها لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية لكل بلد يطلب الاقتراض»، لافتاً إلى أن «معظم مؤشرات الاقتصاد التونسي إن لم نقل جلها متراجعة، وفي جزء كبير منها منهارة، اذ يكفي أن نعرف أن تونس تواجه نسبة نمو اقتصادي ضعيفة جداً لن تتجاوز على أقصى تقدير 2،5 في المئة في العام الجاري، إضافة إلى اختلال المالية العمومية التي تعاني من عجز كبير. والأهم من ذلك تفاقم عجز الميزان التجاري الذي من شأنه أن يؤثر سلباً على الوضع العام في الاقتصاد التونسي. زد على ذلك الانهيار الحاد الذي شهده سعر صرف الدينار التونسي أمام الدولار واليورو، وما تسبب به من تضخم مالي».
ويأتي لجوء الحكومة التونسية إلى الاقتراض من الخارج لمواجهة الأزمات الاقتصادية، فيما البلاد تعاني من تضاعف معدل الرشوة والفساد المالي في تونس ما بعد الثورة وارتفاع نسبته، وخاصة على مستوى الإدارة والمرافق الحكومية لتبلغ 2٪ من الناتج الداخلي، أي ما يعادل تقريباً ما بين 2،5 و2،7 مليار دينار حسب آخر تقرير للبنك الدولي وحسب ما تحدثت عنه في جميع لقاءاتها وتظاهراتها التحسيسية جمعيات ومنظمات المجتمع المدني المناهضة للفساد المالي والإداري والداعية إلى الحد منه ومقاومته لتجديد ثقة المواطن بالإدارة والقطع مع ممارسات الرشى والاحتيال المالي.
رئيس الجمعية التونسية للحوكمة، معز الجودي، شدد على أن «غياب الدولة وغياب ثقافة الحوكمة والشفافية ساهما في ارتفاع نسب الفساد والرشوة»، موضحاً في حديث إلى «الأخبار» أن «الفساد كان في السابق منحصراً في بعض العائلات النافذة والقريبة من أسرة بن على بسبب غياب الرقابة الذي تواصل بعد الثورة ليتواصل معه الفساد المالي، دون رقيب أو مناهض، ما عدا بعض الأنشطة التابعة لكتابة الدولة للحوكمة».
ورأى الجودي أن «نزف موارد الدولة بسبب الرشوة والفساد المالي سيبقى ويزداد طالما أن الجدية في مقاومة الظاهرة ستبقى غائبة وعدم محاسبة المرتشين والمتسببين وعدم توفر النتائج الملموسة لما تقوم به الحكومة من مكافحة للظاهرة».
وشدد على أن مكافحة ظاهرة الفساد والرشوة أصبحت «ضرورة ملحة وواجباً وطنياً»، وخاصة أن التقارير الدولية والمؤشرات والمعايير العالمية أثبتت جميعها أن ترتيب تونس تراجع في مقاومة الفساد وتقدم في تبييض الأموال، ما أثار فزعاً في صفوف المستثمرين والخبراء.
أما عن الحلول المقترحة لمقاومة هذه الظاهرة التي استفحلت في وسط الإدارة التونسية، فأوضح الجودي أنه يجب اعتماد سياسة ما يسمى العصا والجزرة من خلال التعامل بالتوافق مع من ثبت تورطهم في قضايا فساد وتوعيتهم إلى خطورة أفعالهم وإقناعهم بالعدول عن إنهاك جيب المواطن والاقتصاد الوطني في آن واحد. وأضاف إن من «تورط بشكل بسيط في عمليات معزولة، يجب تحويله إلى مواطن رقيب يبلّغ عن جميع عمليات الرشى والفساد مع سن قانون يحميه، كما هو معمول به في معظم الدول. أما بالنسبة إلى من تورطوا بشكل كبير، فيجب معاقبتهم بكل شدة والضرب على أياديهم ليكونوا عبرة لمن يعتبر، وهو ما يساهم في إنقاذ البلاد من شر الفساد وتداعياته على الفرد والاقتصاد».