دمشق | تقرير حكومي ــ دولي، جديد، يحذر من أن الاستمرار في تطبيق السياسات النيوليبرالية، مثل خفض دعم الوقود الذي بدأ فعلياً عام 2008، سيؤدي إلى ارتفاع الفقر المتعدد الأبعاد في سوريا. التقرير الذي أعده خبراء سوريون ودوليون للمكتب المركزي للإحصاء السوري ومنظمة اليونيسف الأممية، ويتوقع إعلان نتائجه رسمياً اليوم، أكد أن نتائج دليل الفقر المتعدد الأبعاد في سوريا تعكس إلى حد كبير استراتيجية التنمية التي اعتُمِدت في الفترة الممتدة من 2001 إلى 2009، وتالياً المساعدة على فهم الجذور التنموية للأزمة التي تمر بها البلاد وفق مقاربة جديدة، وفي تقويم آثار الأزمة على حرمان الإنسان السوري مستقبلاً.


وفي التعريف، فإن مصطلح «الفقر المتعدد الأبعاد» هو عبارة عن منهجية جديدة لقياس دليل الفقر، وهو مستخدم حديثاً لمقارنة الحرمان في دول العالم، ويقوّم درجة حرمان أفراد المجتمع من حيث ثلاثة أبعاد رئيسية: ظروف السكن والصحة والتعليم، التي تتضمن بدورها عشرة مؤشرات فرعية.
ويعتبر التقرير أن «مستوى المعيشة تحسن نظراً إلى تركيز الحكومة (السورية) على البنية التحتية والدعم كجزء من سياساتها الاجتماعية لضمان الاحتياجات الأساسية بما في ذلك الكهرباء، الغاز، مياه الشرب، والصرف الصحي المناسب لجميع المواطنين»، مستدركاً بأنه «مع ذلك، بدت هذه الاستراتيجية وكأنها تركز أكثر على تحقيق الأهداف الكمية بدلاً من الجودة كما في حالة مياه الشرب».

استراتيجيات التنمية
لم تركز على تحسن رأس المال البشري
ويضيف أنه «منذ عام 1991، بُدئ بالتخفيف من القيود عن العديد من السلع الاستهلاكية المستوردة مثل السيارات، ما أسهم في تحسن مستوى المعيشة، وأحد العوامل الأخرى التي أسهمت في تحسن هذا البعد هو ثورة الاتصالات، التي انعكست في طفرة استخدام الهواتف المحمولة وقنوات البث».
وفي ما يتعلق بأبعاد التعليم والصحة، فإن تقرير «الفقر المتعدد الأبعاد في سوريا» يشير إلى أنه «على الرغم من أن الحكومة زادت عدد المدارس والمستشفيات وفتحت هذه القطاعات على نطاق واسع للقطاع الخاص، فقد ازدادت المساهمة النسبية لهذه الأبعاد في الفقر وفق دليل الفقر المتعدد الأبعاد، ولا سيما التعليم». ويشرح التقرير أنه «يمكن تفسير ذلك بأوجه الضعف المؤسساتي الذي انعكس في الإنتاجية المنخفضة، الفساد المرتفع، غياب نظم الرصد والتقويم، وتدني جودة الخدمات العامة»، قبل أن يستطرد معدوه بالقول إنّ «من الأمثلة على عدم فعالية المؤسسات واستراتيجيات التنمية في سوريا ثبات معدل وفيات الأطفال ومعدلات الخصوبة خلال الفترة بين 2001 و2009».
ويحلل التقرير في أسباب زيادة إسهام قطاعي التعليم والصحة في دليل الفقر المتعدد الأبعاد، فيبيّن أن «الحوافز للالتحاق بالتعليم الأساسي تأثرت سلباً بالأداء الضعيف لسوق العمل، فخلال العقد الماضي، وعلى نحو غير متوقع، انخفض معدل المشاركة في قوة العمل على نحو كبير للذكور والإناث في المناطق الحضرية والريفية، ولم يخلق الاقتصاد سوى 400 ألف فرصة عمل فقط بدلاً من مليون وستمائة ألف مخطط لها». ويضيف: «من العوامل الأخرى التي أدت إلى زيادة المساهمة النسبية لبعدي التعليم والصحة في دليل الفقر المتعدد الأبعاد، تحرير جزئي للخدمات، ما رفع من تكلفة الصحة والتعليم على الأسر، الأمر الذي أسهم في اضطرار بعض الأسر، وخاصة الهشة، إلى الاستغناء عن الحصول على بعض هذه الخدمات».
ووفق استنتاجات الخبراء، فإن «من نتائج دليل الفقر المتعدد الأبعاد على المستوى الوطني أن استراتيجيات التنمية التي اعتُمدت في سوريا خلال فترة الدراسة ركزت أكثر على توافر الاحتياجات الأساسية، لا على تحسن رأس المال البشري، وتعزيز القدرات اللازمة لتحقيق التنمية التضمينية التي محورها الإنسان، ويمكن وصف هذه الحالة بأنها التنمية عند الحد الأدنى».
الاختلال بدليل الفقر المتعدّد الأبعاد له بعد جغرافي أيضاً، إذ شهدت «المحافظات اختلالات كبيرة في التوازن عبر المناطق. ففي عام 2009 كانت المناطق الشرقية والشمالية الأكثر حرماناً وفق دليل الفقر المتعدّد الأبعاد، بينما كانت المنطقة الساحلية الأقل حرماناً».
بالأرقام، تبيّن النتائج وفقاً لدليل الفقر المتعدد الأبعاد في سوريا أن وسطي حرمان الأفراد من الأبعاد الصحية والتعليمية وظروف المسكن انخفض من 0.061 إلى 0.036، ما يعكس تحسناً مطرداً في حالة التنمية البشرية عند المواطنين. كذلك شهدت نسبة انتشار الفقر المتعدد الأبعاد في سوريا هبوطاً ملحوظاً من 15٪ في عام 2001 إلى 9٪ في عام 2009، وقد ترافق ذلك مع انخفاض في كثافة دليل الفقر المتعدد الأبعاد، حيث كان من يعانون الفقر المتعدد الأبعاد في عام 2009 محرومين وسطياً ​​بنسبة 38٪ من المؤشرات مقارنة مع 40٪ في عام 2001.
وبالنسبة إلى إسهام مكونات دليل الفقر المتعدد الأبعاد (ظروف السكن، الصحة، التعليم)، فقد شهدت جميعها انخفاضاً كبيراً بين عامي 2001 و2009 باستثناء «سنوات التمدرس» التي ازدادت إلى حد كبير و«معدل وفيات الأطفال» الذي لم يطرأ عليه أي تغيير كبير. ولا تزال مؤشرات «الالتحاق بالمدارس»، و«التغذية»، و«سنوات التمدرس» في عام 2009 مرتفعة نسبياً في دليل الفقر المتعدد الأبعاد.