خفت الحديث عن «طوق حلب» بعد أن هيمن على واجهة المشهد السوري خلال الشهرين الماضيين، من دون أن يعني ذلك أنّ الجيش السوري وحلفاءه قد عدلوا عن محاولة استكمال الطوق الذي يعني في ما يعنيه عزل الأحياء الشرقية في مدينة حلب (الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة) عزلاً كليّاً. وهو هدفٌ عمل الجيش وحلفاؤه على رسم مساره منذ حوالى عامين، وتم تطبيقه عبر مراحل أخذت شكل قفزات متتالية تخلّلتها لبداتٌ. ويُفترض أن تكون نهايتها كفيلة بإحكام الطوق، إضافة إلى فك الحصار عن بلدتي نبّل والزهراء.


مع ترك المفاضلة بين تسبيق أحد الهدفين أو توازيهما خاضعةً للمُعطى الميداني. وبعد أن أوحت التطورات خلال الشهر المنصرم بأنّ إنجاز أحد الهدفين على الأقل بات مسألة وقت، عادَت المعارك على جبهات حندرات، سيفات، الملّاح لتأخذ شكل الكر والفر. فما الذي حدث؟

فتّش عن السياسة

لا يمكن في حال من الأحوال فصل مستجدات المشهد الميداني في الصراع السوري عن نظيره السياسي. لا يعني ذلك بطبيعة الحال أنّ كلّ التطوّرات الميدانية تخضع لنقاش سياسي، غير أنّ المنعطفات البارزة على الأرض لا بدّ لها أن تسلك ممرّاً سياسيّاً إجباريّاً. ومن شأن تتالي المستجدّات اليومية الحافلة بالتفاصيل أن تحولَ بين المواكِب لها، وبين وضعها في إطار واضحٍ يستشرف رؤيةً كُليّة. في سبيل ذلك، سيغدو إجراء مسحٍ لتداخلات المشهدين السياسي والعسكري كفيلاً بتقديم بعض الإجابات. في حالة حلب، يجدر التذكير بأنّ باريس وأنقرة قد أخذتا على عاتقهما رفع الصوتِ عالياً بالتزامن مع تقدم الجيش الشهر قبل الماضي. باريس حذّرت حينها من تداعيات حصار المدينة التي تُعدّ «معقل المعارضة المعتدلة»، ويبدو أنه التصنيف الفرنسي لمجموعات مثل «جبهة النصرة، جيش المهاجرين والأنصار، جبهة أنصار الدين... إلخ» التي تُعدّ أبرز المجموعات في حلب. أنقرة بدورها أعادت إلى الواجهة الحديث عن حظرٍ جوّي، و«مناطق آمنة»، وبمساندة فرنسيّة مُطلقة. لكنّ ذلك لم يحل بين الجيش السوري والمضي في مساره.
لاحقاً لذلك، وبفواصل زمنية قصيرة، زار وفد دبلوماسي سوري موسكو، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنقرة، عُقد اجتماع ثلاثي ضمّ وزراء خارجية سوريا، إيران، العراق، على هامش مؤتمر دولي في طهران، والتقى الرئيس السوري نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف. وبتزامنٍ لافتٍ زار رئيس الوزراء السوري، وائل الحلقي، ووزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، طهران. هذا التسارع مهّد لدخول الروس بقوة (بموافقة أميركية بطبيعة الحال) على خط دعم التفاوض السياسي. وفي المحصلة، بدا أنّ ما لم تفلح تهديدات أنقرة وباريس في فعله، قد فعله حلفاء دمشق، وعلى وجه الخصوص موسكو، فأرجئ استكمال المخطط العسكري في حلب. ويؤكد مصدر سوريٌ معارض لـ«الأخبار» أن «موسكو طلبت من دمشق إفساح المجال أمام مساعيها الدبلوماسية، الأمر الذي تطلب خفض وتيرة العمل العسكري في حلب نظراً لما تمثله المدينة من أهمية خاصة للأتراك على وجه الخصوص، لا سيّما أن الائتلاف المعارض لم يكن قد حسم موقفه من اجتماعات موسكو».
بدوره، مصدر عسكري بارز في حلب يؤكد لـ«الأخبار» أنّ «الجيش السوري يمتلك كل مقومات التفوق على الأرض، والخطة العسكرية في حلب ماضية بثبات منذ إقرارها، لكنها في الأصل لم تكن خطة قصيرة المدى، ويتم تنفيذها على مراحل». بالتحفظ المعهود عن المصادر السورية يرفض المصدر الخوض في التفاصيل، ويُحجم عن نفي أو تأكيد حقيقة وجود دوافع سياسية وراء تأجيل استكمال مسار العمل العسكري. المصدر قال «نحن عسكريون ونتناول الأمور بحساب المدفع والطائرة، لا بحساب آخر. نتلقى الأوامر من القيادة التي تتجمع لديها الخيوط السياسية والعسكرية وتتخذ القرار المناسب في التوقيت المناسب. وجاهزون دائماً للتنفيذ بنجاح».

ماذا جرى على الأرض؟

في الأسبوع الأول من الشهر الماضي كانت القوات السورية قاب قوسين من توسيع عملياتها نحو باشكوي، التي تعني السيطرة عليها أن بيانون باتت بحكم الساقطة عسكريّاً، وتمهد لرفع الحصار عن نبل والزهراء. لكن يبدو أن قراراً اتّخذ بحصر المعارك في نطاقها من دون التمدد، في ما يشبه تجميداً لجغرافيا المعارك لا للمعارك في حدّ ذاتها. وكردّ فعل متوقع بادرت المجموعات المسلحة إلى شن هجمات عدة على جبهات حندرات، البريج، وأخرى تستهدف نبل والزهراء، وثالثة تستهدف جمعية الزهراء حيث يقع مبنى المخابرات الجوية، من دون أن تعني كل تلك المعارك أن الجيش السوري وحلفاءه قد فقدوا زمام السيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن استغلال المجموعات الظرف السياسي لمحاولة استعادة التوازن هو أمر تكرّر مراراً خلال الحرب السورية.

حلب ـ موسكو... حمص ـ جنيف

يبدو لافتاً أن حالة حلب وتداخل السياسي بالعسكري فيها يبدو تكراراً لحالة حمص ــ جنيف. في العام الماضي، وفي مثل هذا التوقيت، كانت مفاوضات «جنيف 2» تتصدر المشهد السياسي، وحضرت حمص فيها بقوّة. وكما بات معروفاً، لم يصل «جنيف 2» إلى نتيجة ملموسة. ولاحقاً لذلك، وفي نيسان تحديداً، خرج المسلحون من حمص القديمة. ليس بالضرورة أن يكرر التاريخ نفسه طبعاً، لكنّ عقد المقارنات بين الحالتين ربّما كان مفيداً.




جددت موسكو دعمها الكامل لجهود المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، في اعتماد المصالحات المحلية نموذجاً للحل «من الصغير إلى الأكبر». ونقلت تقارير إعلامية متطابقة عن الخارجية الروسية قولها في تعليق صدر أمس إن «روسيا تدعم هذه المحاولات وبشكل أساسي في إحدى أكبر المدن السورية حلب». وأضافت الوزارة «إننا نؤمن بأن الخبرة المكتسبة نتيجة عمليات التهدئة ستكون مفيدة، وأن الطرق المستخدمة في تسوية المواقف الصعبة لخدمة المصلحة العامة في وقف العنف ممكن أن تستخدم في حلب».