دمشق | داخل مركز الإيواء في ضاحية قدسيا، تمضي «سوريا» حافية القدمين نحو والدتها الواقفة تنتظر دورها لتسلّم حصتها من الطعام. بعينين خضراوين حزينتين وبوجه تعب، تلفظ الطفلة ذات السنوات السبع اسمها. ومع نظرات الدهشة التي تقابلها عندما يسمعه الآخرون، تبدو تركة الاسم ثقيلة على الصغيرة. لا تُبدي الأم استعداداً لخوض غمار أي حديث، غير معنية بالتساؤلات حول سر تسمية ابنتها باسم بلادها، وهي من منطقة مُدانة ومتهمة باحتضان مسلحي الغوطة الشرقية. والد الفتاة ليس بين الخارجين من جوع المنطقة الساخنة، ما يثير التساؤلات حول هوية الرجُل.


جميع الموجودين في مركز الإيواء يتعلقون بالزوار وبالغرباء من أجل طلب اتصال بقريب في الشام، أو استخدام «واسطة» للاستعجال بتوزيع الملابس والطعام. 1600 شخص خرجوا من حصار مناطق الغوطة، ومنها: حوش الفارة وميدعا وميدعانة وحوش نصري وحوش الضواهرة، إلى مركز الإيواء في ضاحية قدسيا، فيما نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر عسكري قوله إن «وحدات من الجيش والقوات المسلحة أمنت صباح اليوم (أمس) خروج 2112 مواطنا من الغوطة الشرقية، بينهم 1094 طفلا و639 من النساء، وأكثر من 350 مسلحا سلموا أنفسهم إلى الجهات المختصة ليصار إلى تسوية أوضاعهم بموجب القوانين والأنظمة النافذة». ويأتي ذلك بعد إخراج أكثر من 1850 مواطناً آخر من المنطقة بين يومي الأربعاء والسبت الماضيين.
القسوة تكسو ملامح الأطفال، والوحل يغطي أقدامهم الحافية. يذكر الطفل عمار الخالد كيف خرج وعائلته من منزلهم في حوش الضواهرة وركضوا في المزارع المحيطة. لا ينسى الولد البالغ من العمر 14 عاماً، كيف أمسك مسلحو «جيش الإسلام» بأحد الكبار ف السن الهاربين من جحيم الحرب في المنطقة، فمرّغوا وجهه بالوحل. تشارك إحدى النساء الولد شرحه، فتقول: «كان الرجل يصرخ وينادينا، فيما ملامحه اختفت من آثار الطين. المشهد أخاف الأطفال، فاضطررنا إلى العودة، ومعاودة الهرب مع الفجر». وتتابع قولها: «سمعنا عناصر القوى الأمنية ينادون المدنيين عبر مكبرات الصوت، ما جعلنا نشعر بالأمان. إذ كان الصوت يعلو كلّما اقتربنا».
تذكر أماني، سبع سنوات، مقدار سعادتها عندما وصلت إلى من سمتهم «الجيش النظامي»، فلقد أخبرتها أمها أنها ستتناول الطعام عندما تصل إلى حيث يقف عناصر «الجيش النظامي». يجيب عبد الرحمن، 13 عاماً، عن سبب تركه منزله وقريته، بابتسامة خجولة، وكلمة واحدة يلفظها بمرارة: «الجوع». يذكر مدرسته وحارته وصديقه المخطوف من آل كريّم. يتحدث عن أستاذه المدعو «أبو علي»، ويضحك قائلاً: «كل الأساتذة صرنا نسميهن الشيخ فلان أو أبو فلان. ما بقى فيه مدارس».
سؤال إلى طفل آخر: «منذ متى لم تذهب إلى المدرسة؟». بملامح قاسية يجيب الطفل ذو الثماني سنوات قائلاً: «من لما راح الرئيس». لا يمكن أن تستوضح أكثر وتسأل إلى أين «راح الرئيس»، فيستيقظ الطفل الذي يعبّر عن أهل الغوطة، من الغفوة التي أمضاها معهم تحت حكم «جيش الإسلام» كل هذه السنوات، حتى ظنّوا أنهم «أسقطوا النظام».
تذكر سيدة تدعى هَنا، من حوش الضواهرة، كيف أمسك مسلحو «جيش الإسلام» بامرأة اتهموها بـ «توزيع الشرائح»، أي إنها «مُخبرة للأمن السوري». كان مصيرها «سجن التوبة»، الذي خرجت منه بعد شهرين مشوّهة. الكثير من المخطوفين ما زالوا في «سجن التوبة» داخل دوما، بحسب معظم الخارجين من الغوطة الذين عبّروا، أيضاً، عن سخطهم على أهالي المدينة الأغنياء الداعمين لـ «جيش الإسلام»، فيما البقية يعانون الجوع. خروج هَنا من المنطقة كلّفها طلاقها من زوجها، وترفض الإفصاح عن عمله. تحمل المرأة التي لم تبلغ 20 عاماً من العمر، بعد، رضيعها، وتنتظر أن يأتي أهلها من دمشق لأخذها إلى حياة أفضل.
يتبادل الأطفال والنساء الذكريات عن أطعمتهم في المناطق التي أتوا منها، إذ تناولوا «اليخنة» للمرة الأخيرة في شتاء العام الماضي «من دون إضافة اللحم إليها». يعترض علي، 9 سنوات، على سعر «البسكويت» الرديء الصنع الذي تجاوز 250 ليرة، فيما وصل كيلو السكر إلى أربعة آلاف ليرة. وكان خبز الشعير هو طعامهم اليومي، ما جعلهم يتزاحمون على وجبة الأرز بالجزر والبازلاء التي بدأ بتوزيعها القيمون على مكان إقامتهم الجديد.