عاكف مشارقة

في إحدى الصباحات الواهنة، ألجّ يومي من المخيّم، أنسحبُ من بيت جدّتي مودعاً، أخرج عبر الباب وأغلق خلفي ذكرى ليلة مُنعتُ من الخروج فيها إلى الشّارع الوحيد هنا في مخيم الفوار جنوب الخليل، خوفاً من أن أسقط قتيلا، مثل الشهيد الذي سقط قبل أسبوعين هنا، أو أن أسقطَ جريحاً أو أسيراً مكبّلاً.

عيناي تطفحان بالارتواء من نوم عميق ومريح، لم أتوقّعْ أنّ أستطيع النّوم في المخيّم القلق. مخيم لم ينمْ منذ ما يناهز الستّين سنة، لم أتوقّعْ أن أنامَ وأحلامُ اللاجئين مصابة بالأرق، شعرت بالذنب لهذا النّوم العميق الذي لم يحترمْ أزقّة المخيّم.
رنّ هاتفي، كان صديقي، ظنّ أنّني ما زلت نائماً من خلال نبرة صوتي الناعسة، طلب منّي المجيء إلى الجامعة في ساعة محدّدة، قبل الموعد الذي قرّرت أن أكون فيه هناك، حرمني من ساعة صباحية إضافية أقضيها مع جدّتي وخالتي، ومن التحديق بجمال ابنتيّ خالتي الصغيرتين وهما تنامان على أحلام لم تولد بعد، وعلى ذاكرة لم تتجاوز ارتشاف الحليب وتوسّد صدر الأم. ولكنهما تنامان على ذاكرة مليئة بالتشرد والشتات وقصص الكبار عن النكبة، وعلى فلسفة المخيّم التي استقلّتْ بنفسها.
أوّل ما صادفني لدى خروجي كان سيّارة مركونة إلى جانب البيت. سألتُ نفسي: هل هي سيارة خالتي؟ يبدو أنني أجبت بالإيجاب لنفسي. لم يخطرْ في بالي أن أسأل خالتي عن هذه التفاصيل الساذجة وعن سيّارتها التي أراها لأوّل مرة. وتجذبني كالعادة الساحة الفسيحة الواقعة أمام البيت على غير عادة بقية أزقة المخيم، حيث لا فراغ بين البيوت والغرف التي أقامتها وكالةُ الغوث إلا ما يصلح للمشاة. وقد يغيب هذا الفراغ كما تغيب لحظة صغيرة لا تفصل تتابع الليل والنهار.
كلّ ما في هذا المخيّم مؤلمٌ: جدرانه الخشنة، وشارعه المهجور صباحاً، الأبواب الموصدة ونداءات المراهقين بين أزقّته التي تصلح للاختباء والمطاردة ومشاكساتهم اليوميّة، والتي قد تتحول إلى لعبة حقيقة لا قوانينَ فيها.
بعد خروجي من باب البيت بعشرة أمتار، وعلى يميني، يقبع بابُ بيت الشّهيد. تعلوه لوحتان كُتبت عليهما آيات قرآنية وبضع كلمات نعي، اضافة إلى شعار حزب سياسيّ.
كل هذه الكلمات المقدّسة واللامقدّسة لن تنفعه بعد الآن. ولا حتى هذا الحزب اللّعين أو ذاك الحزب الذّليل. لم اقرأ كلمات النعي بتمعّن، ولم أدركْ ما هي الآية القرآنية التي خُطّت، لأنّني لم أستطع التحديق كثيراً، لقد كانت صورته - وهو يلبس نظارة سوداء - تزجرني وتشعرني بأنّي خائن لذنب لم أقترفه.
أشحت بنظري سريعاً عن صورته رغم ابتسامته الجادّة إلا أنّه كان يلومني بعينيه المخفيتين وراء تلك النظّارة السوداء الدائرية، وكأنّ العدستين السوداويتين، ليستا إلا طبول حرب تُقرع تحضيراً وإعلاناً لانفجار محتم وقريب.
لقد تعرفت اليه منذ كنت صغيراً، عرفته قبل أن أعرف النكبة وسر وجود المخيم، وقبل أن أعرف سقف الحديد "الزينكو" الذي يعلو غرف المخيّم المخضبة بالأزرق، عرفته قبل أن أدرك بأني أنا أيضاً لاجئ. لم تزد المدة التي نظرت فيها إلى صورته عن ثانيتين أو ثلاث، لكنها كانت كفيلة بأن تخلق لدي حالة من المشاعر المتلاطمة والعواطف المتضاربة والحزينة التي رسمت معالم سوداء في خلجاتي لبقية ساعات يومي.
وأخيراً، أهرب من تفاصيل الأزقّة المرهقة إلى الشارع وأستقلّ سيّارة للتوجه إلى قلب المدينة التي تجهل ما يحتضر في المخيّم. كنت أوّل الراكبين في السيّارة، وبعد أن سارت قليلاً أقلت رجلاً يتكئ على عصا، بدا الوهن والمرض على جسده المرتبك والمرتجف، صعد درجة السيّارة بصعوبة وطلب التوجه إلى عيادة المخيّم، لكنّني لم أره عندما ترجّل من السيّارة، يبدو أنّني كنت شارد الذهن ومكسور القلب على أوجاع لم أعد أدرك أسبابها، أو لعلني أعرف أن "المخيم" سببها، وغضضت بصري عن هذه الحقيقة.
أدار السائق الفظّ عجلة الراديو، لم يكن يأبه لما يريد الاستماع إليه، على غير العادة لم تكن فيروز تصدحُ في هذه الإذاعة التي توقف عليها السائق بلامبالاة، يبدو أنها لامبالاة لاجئٍ يئس من وعود العودة، لقد كان بث الإذاعة يحتوي أشعاراً. تسلّل إلى أذني عبر هدير محرك السيارة صوتُ محمود درويش يلقي قصيدته "فكر بغيرك"، شعرت بأنها كانت تصدح إلى أعلى، إلى أولئك الذين ينامون في المدينة بعمق، ومن دون الشعور بأوجاع هؤلاء المنكوبين في المخيم. فالفرق بين المخيم والمدينة، كالفرق بين لوحات العصور الوسطى التي تحوي شخصيات عارية ومتلذذة وبين ألواح الزينكو التي لا تقي شر البرد.