برشلونة | بعد ثلاثة أيام على الاعتداء على جريدة "شارلي إيبدو" في باريس، كنت في طريقي إلى برشلونة من كوبنهاغن، فبعد ساعة من الانتظار، كان علي التوقف عند نقطة التفتيش ليتفقدوا حقائبي كما يحدث مع جميع المسافرين. توقفت كالبقية وأعطيتهم حقائبي ليمرروها على الجهاز، طلب الضابط أوراقي فأعطيته هويتي المبين عليها أني بلا جنسية، فأعاد حقائبي ليمررها مرة أخرى في جهاز التفتيش: مرة تلو مرة.

لم يكن في الحقائب شيء يدعو للريبة أو الاستغراب، فلم أحمل إضافة إلى ثيابي سوى بضع شمعات اشتريتها كتذكار. لم يبقوا على شيء في حقيبتي الا وفتشوه، فرغوها من كل أشكال "الإرهاب" التي احتوتها، والتي كانت عبارة عن زجاجة عطر، وبعض كريمات الأيدي.

لم يكتفوا بذلك، لكنهم تمادوا في تفتيشي بشكل شخصي، لربما حملت "الإرهاب" في احدى جيوبي أو داخل ملابسي الداخلية... وبابتسامة باردة كصقيع بلادهم، سألني الضابط هل لديك أقارب هنا نعيد إليهم حاجاتك التي صادرناها كونه لا يسمح لك أخذها في الطائرة؟
لم يكن لي أحد. فأنا غريبة في بلاد غريبة، أهديته إياهم كهدية عيد الميلاد، ومضيت باتجاه الطائرة متمنية اللحاق بها بعد التأخير الذي اضطررت له، بسبب إجراءات تفتيشي.
مرور الغالبية من دون إجراءت التفتيش المشددة، جعل الأمر غير طبيعي، ما جعلني أفكر أن الأمر مرتبط بكوني لاجئة في أوروبا ولست مواطنة أصلية.
لحقت الطائرة، وحطت في مدينة ليست لي، لم يكن هناك من ينتظرني إلا أنوارها الزاهية، وشوراعها المليئة بوجوه لا تلتفت نحوي، وعيون لا تراني، أنا الفلسطينية مجهولة الجنسية، عدت لأرض ليست لي، لم يحملني الحنين اليها، ولا الذكريات.
فهكذا تكون فلسطينياً، حين تعلم أن هويتك تحمل الإرهاب في حروفها، حين تدرك كم يحتاط لحضورك الكون؛ فتقبل وتدبر على مدن عابرة في زمانك، وأنت لست سوى عابر في هذا الكون، هامشي الوجود هنا وهناك، لا يسمع وقع خطواتك أحد مهما أثارت الضجيج، لا يدفئ قلبك إلا بعض الذكريات...
هنا وقفت أسترجع بعض القبل التي ودعتني لعلها ترحب بي، أشفق على قلبي فأضمه بيدي التي ما زالت تحمل عبق من أحب وأحرص على أن لا أستهلك كل العبق كي أسترجعه كلما قست المدينة علي. لا ألومها فهي الغريبة التي أسعفتني يوماً، وبكل امتنان أعيد لها رونقي فهذه ضريبة احتوائي.
ستمنحك تلك المدن أرضاً تسكنها، وإقامة دائمة، لكنها ستأخذ منك رونقك، وتبقيك على رصيف الذكريات تنتظر صناعة تاريخ جديد لك، صحيح، لكنه مفرغ منك تماماً. أيام وتتحول لشبه إنسان، يحلم بشبه مستقبل، ويؤسس لشبه حياة. إنسان لا ظل له ولا بصمة تحكي عنه، إلا بصمة لجوئه...
وحدث الاعتداء على الجريدة الفرنسية، وبات كل عربي أو مسلم متهماً، ولو دانها ورفضها ورفض القتل.
وفي بلدان الحريات، لك الحق أن في تكون ضد الإساءة للأديان وأن تكون ضد الارهاب، وأن لا تكون "شارلي". لكن، عليك قبل كل ذلك ان تكون من هنا...