بينما ينشغل التونسيون خلال الفترة الحالية بقضية تشكيل الحكومة المقبلة بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وبقضايا أخرى تأخذ منحىً مطلبياً، يبدو أن حدثاً ــ رياضياً هذه المرة ــ قد يحوّل في اهتمامات الشارع عن متابعة يوميات المشهد العام، أو هو بأقل تقدير لا بد أن يمنح فسحة أمام طيف تنهكه التجاذبات الراهنة.

وتنطلق اليوم النسخة الثلاثين من بطولة «كأس الأمم الأفريقية» بكرة القدم (في غينيا الاستوائية) بمشاركة المنتخب الوطني التونسي الذي يسعى إلى تحقيق لقبه الثاني، فيما يشارك بالتزامن منتخب كرة اليد في بطولة العالم. ولطالما حازت الأحداث الرياضية في تونس، وتحديداً كرة القدم، اهتماماً بالغاً ضمن المجتمع (المباراة بين تونس ومصر في تشرين الثاني الماضي مثال واضح).

ومن المعروف أن النظام السابق كان يوظّف الاستحقاقات الرياضية خدمةً لأجنداته، وهو حال الأنظمة السلطوية عموماً. وكان الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي قد استغل استضافة بلاده لنسخة عام 2004 من «كأس الأمم الأفريقية» التي فاز بلقبها منتخب بلاده، بهدف إظهار إجماع على دوره «الوطني» وعلى «المنجزات». وجرى توظيف ذلك الاستحقاق مباشرةً في «الانتخابات» الرئاسية التي كان مقرراً إجراؤها في شهر تشرين الأول من العام ذاته.
كذلك، تشكل أندية كرة القدم مطية يستخدمها رجال الأعمال للظهور ولحصد الشعبية (تجربة صهر بن علي، سليم شيبوب، في نادي الترجي وسليم الرياحي حالياً في النادي الأفريقي، من أبرز الأمثلة).
تبرز هذه الأمثلة المذكورة مروحة التوظيفات السياسية الممكنة للشأن الرياضي. ومن هذا المنطلق، من المهم اليوم مراقبة مدى الاستثمار السياسي الذي ستجريه سلطات البلاد الجديدة في حدث رياضي وطني. وتتعزز أهمية ذلك نظراً إلى واقع أن البلاد دخلت منذ الانتخابات الأخيرة في ظرف سياسي جديد تبدلت ضمنه طبيعة المشهد السياسي والديناميكيات المحركة له. ومن بين عناصر هذا المشهد، مثلاً، أن السلطات الجديدة بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي لا ترى في نفسها مجرد فريق يدير البلاد لفترة محددة، بل لطالما أحب السبسي تصوير نفسه خلال الفترة الانتخابية، وما سبقها، كالزعيم التونسي الجديد الذي سيحدد أسس «الجمهورية الثانية»، أو اختصاراً «بورقيبة الجديد».
ويأتي كل ذلك في جو من التوتر السياسي الذي تترقب خلاله البلاد معرفة مآلات المفاوضات القائمة حول تشكيل الحكومة المقبلة، الأولى في عهد السبسي. كذلك تحل في ظرف بدأ يشير إلى سلسلة من الأزمات ذات الطبيعة الاقتصادية. ليس آخر هذه الأزمات إضراب قطاع النقل العمومي الذي بدأ في بداية الأسبوع الحالي في تونس العاصمة وامتد خلال أربعة أيام ليشمل عدداً من الجهات الداخلية، مسبباً أضراراً مختلفة (بالغ العديد من المتابعين في تقديرها).
عموماً، يشرّع العمل السياسي في أي مجتمع اللجوء إلى مختلف الأدوات التي من الممكن توظيفها في المجال العام، وليست الأحداث الرياضية بتفصيل. لكن الإشكالية تبرز في أهداف التوظيف وفي آلياته، و»كأس أمم أفريقيا» الحالي هو الأول في عهد تونس الجديد، ومن هنا أهميته.
(الأخبار)