القاهرة | الغموض الذي يشوب فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية المصرية، المقرر انتهاؤها مطلع أيار المقبل، لم يمنع المرشحين المحتملين من بدء حملات دعائية كبيرة، وخاصة في المدن والأقاليم البعيدة عن العاصمة، من دون التذكير بدور الدعايات في إنجاح المرشحين، وخاصة في مجتمع مثل المجتمع المصري. بعبارة ثانية، تعود المخاوف في ظل هذا الحشد الترويجي من سيطرة المال السياسي على مجريات العملية الانتخابية، على غرار ما كان يحدث خلال عهد حسني مبارك، أو حتى الانتخابات التي أوصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى البرلمان عام 2011.


الدعايات الانتخابية المالية لم تتوقف على لافتات تهنئة المسلمين والأقباط بأعيادهم والعام الجديد، فهي امتدت إلى عرض بعض المرشحين توفير سلع تموينية وبطاقات تأمين صحي للأسر الفقيرة، وإعلان مشروعات اجتماعية ضخمة لتنفيذها في الدوائر. في دائرة كوبري القبة، على سبيل المثال، أعلن المرشح إسلام الدمهوجي توفير علاج للأسر الفقيرة على مدار أكثر من عام عبر مشروع للرعاية الاجتماعية «ينفق عليه من ماله الخاص».
وخلال مراجعة «الأخبار» المرشح المذكور، فإنه ينفي أن يكون المشروع بهدف جذب أصوات الناخبين، مؤكداً أنه «يفعل الأعمال الخيرية قبل أن يقرر الترشح»، لكن الموقف نفسه تكرره مع شاهيناز النجار، وهي زوجة القيادي في الحزب الوطني المنحل أحمد عز، والمرشحة المحتملة على دائرة المنيل ومصر القديمة. النجار تنفق مبالغ مالية كبيرة على الأعمال الخيرية خلال الآونة الأخيرة في دائرتها سعياً للعودة إلى البرلمان الذي استقالت منه عام 2007 بعد زواجها بعز.

يستفيد أصحاب الثروات من الحصانة البرلمانية لحماية أملاكهم

ويتضمن الترويج بالأموال توزيع أجندات سنوية وبطانيات على الأسر الفقيرة مدون عليها أسماء المرشحين في دوائرهم، وهو ما رصدته عدسات المصورين في مركز أطفيح، جنوب محافظة الجيزة. لكن هذه الدعايات كلها لا تندرج تحت السقف الانتخابي الذي حدده قانون مباشرة الحقوق السياسية بـ500 ألف جنيه (66 ألف دولار تقريباً) في المرحلة الأولى، على أن يكون هناك إنفاق إضافي بمقدار 200 ألف جنيه (نحو 28 ألف دولار) في حال وصول المرشح لمرحلة الإعادة، كما يسمح القانون بمضاعفة المبلغ في القوائم الانتخابية.
ورغم إعلان لجنة الانتخابات قصر مدة الدعايات، من وقت إعلان القوائم النهائية للمرشحين حتى اليوم السابق للاقتراع، فإن قرارات اللجنة التي هددت فيها المرشحين ليست سوى إجراء روتيني، وخاصة مع خروج المدة الحالية من سقف الإنفاق الدعائي للمرشحين، الذي يبدأ اعتباراً من تقديم أوراق الترشح وتقديم الحساب البنكي الذي يجري عبره تلقي الدعم المالي والإنفاق على الحملة.
كل ذلك يؤكد المخاوف من سيطرة المال السياسي، ويزيد عليه التنافس بين حزب «الوفد»، الذي يترأسه مالك مجموعة قنوات الحياة، السيد البدوي، الذي يشرف على حملة دعائية لأعضاء الحزب بملايين الجنيهات، بالإضافة إلى الدعايات التي تقدمها صحيفة «الوفد» اليومية المملوكة من الحزب. في المقابل، يمتلك مؤسس حزب «المصريين الأحرار»، رجل الأعمال نجيب ساويرس، مجموعة قنوات on tv التي تنفذ حملة مماثلة لمرشحي الحزب.
ووفقاً للباب الرابع من قانون مباشرة الحقوق السياسية، فإن القانون أتاح التبرع العيني والنقدي من الأشخاص بما لا يتجاوز 5% عن الحد الأقصى المصرح به للإنفاق على الدعايات، على أن يكون الإنفاق عبر حساب بنكي للمرشح، مع إلزامه إعداد سجل منتظم وفقاً لمعايير المحاسبة المصرية يدون فيه مصادر التمويل والمصاريف.
المحلل السياسي، عمار حسن، يذكر أن تجارب الانتخابات البرلمانية السابقة سيطر عليها المال السياسي بدرجة كبيرة، وجرى فيها «تجاوز سقف الإنفاق الدعائي المخصص، بل كانت عمليات شراء الأصوات أمام اللجان». لكنه رأى أن المؤشرات بالنسبة إلى الانتخابات المقبلة تؤكد أن المال السياسي سيكون أقل تأثيراً «بسبب ارتفاع نسبة المشاركة من المواطنين، والوعي السياسي الذي تشكل لدى الناخبين أخيراً». ويتوقع حسن أن وجود المراقبة الحقوقية والإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية «سيكون له تأثير إيجابي في عمليات التصويت، وسيمنع التلاعب في الأصوات أو تسويد البطاقات لمصلحة مرشح على حساب آخر».
أما عن البذخ الذي يظهره بعض المرشحين، فقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، محمود طارق، إن الأمر مرتبط بقدراتهم المالية وثرواتهم الطائلة «التي يرون في البرلمان مجالاً لتأمينها بالاستفادة من الحصانة التي يحصلون عليها». ويؤكد طارق أن عدد من يخالفون سقف الدعايات سيكون محدوداً للغاية، ولن يشكلوا «تكتلاً في البرلمان كما كان يحدث من قبل»، مؤكداً في الوقت نفسه أن رفع السقف الدعائي للمرشحين، مقارنة بمساحات الدوائر وعدد الناخبين فيها، «أمر يزيد قانونية الإنفاق الزائد في الدعايات، فضلاً عن أن الأرقام التي حددها القانون كبيرة ولا تعطي مساحة لتكافؤ الفرص بين الشباب العاملين، وأصحاب الثروات».




الأوروبيون ليسوا مضطرين إلى مراقبة الانتخابات

أعلن البرلمان الأوروبي أنّ من غير المناسب إرسال بعثة مراقبين إلى مصر لمتابعة الانتخابات التشريعية المقبلة (من آذار إلى أيار)، مشيراً إلى أن ذلك قد «يسيء بشكل خطير إلى صدقيتها (البعثة)»، وذلك بالاستناد إلى تأكيد النواب الأوروبيين أن الاقتراع السابق (الانتخابات الرئاسية) الذي جرى في أيار الماضي لم «يستكمل المعايير الدولية».
في الوقت نفسه، دعا البرلمان الأوروبي، في قراره الصادر يوم أمس، السلطات في القاهرة إلى «الإفراج فوراً ومن دون شروط عن كل معتقلي الرأي» بمن فيهم عناصر جماعة الإخوان المسلمون المحظورة، معرباً عن «قلقه الشديد من القيود المفروضة على الحقوق الأساسية، ولا سيما حرية التعبير وتشكيل الجمعيات والتعددية السياسية». كذلك استنكر البرلمان «أعمال العنف بحق المعارضين والمتظاهرين والصحافيين وناشطي حقوق النساء»، وأيضاً «تشديد القمع بحق مثليي الجنس المضطهدين والمهانين علناً».
في المقابل، أعربت وزارة الخارجية المصرية عن «دهشتها واستهجانها» إزاء القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي، مؤكدة أن القرار تضمن «مجموعة من الادعاءات والمغالطات التي تعكس عدم إدراك أو حقيقة الأوضاع في مصر».
وأضافت الخارجية: «في الوقت الذي تخوض فيه مصر حرباً ضد الإرهاب، دفاعاً عن العالم المتحضر، كان من الأولى به (البرلمان الأوروبي) أن يدعم هذه الجهود، ويحترم إرادة الشعب المصري».
(الأخبار، أ ف ب)