البصرة | تمثل المحافظات الجنوبية في العراق سلة البلاد الاقتصادية، إذ اعتمدت الموازنات المالية الأخيرة للبلاد على ما يوازي 90 في المئة من موارد الطاقة المصدرة منها. لكن في الوقت ذاته تعاني هذه المحافظات من واقع اقتصادي مزر ومن ضعف في البنى التحتية ومن انتشار الفساد المالي والإداري، ما دعا غالبية أبنائها في أكثر من مناسبة إلى المطالبة بإنشاء إقليم مستقل يدير شؤونها الاقتصادية.


وتستثني المادة 44 من قانون المحافظات العراقية غير المنتظمة في إقليم (المعدل عام 2013) ايرادات النفط والغاز المنتجة في المحافظات. وبحسب القانون ذاته، تخصص الموازنة الاتحادية للمحافظات «خمسة دولارات عن كل برميل نفط خام منتج في المحافظة، وخمسة دولارات عن كل برميل ‏نفط خام مكرر في مصافي المحافظة، وخمسة دولارات عن كل مئة وخمسين متر مكعب ‏منتج من الغاز الطبيعي في المحافظة». (ويعرف ذلك بأموال البترودولار)
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة التي تواجهها الحكومة الحالية، تشير تقارير إلى أن مشروع موازنة العام الحالي خفض النسبة إلى دولارين مقابل كل برميل نفط. وستتأثر بشكل رئيسي من الإجراءات المتبعة محافظات البصرة وميسان وواسط والديوانية (القادسية) وذي قار، الجنوبية.
ووفق التقارير الصادرة عن وزارة التخطيط بشأن المحافظات الجنوبية، فإن نسبة 48 في المئة من السكان يعانون من الحرمان بسبب الأضرار الناتجة في البنى التحتية للتربية والتعليم وبسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة، فضلاً عن التنافس السياسي المحلي الذي أدى في بعض المراحل إلى تفاقم العنف.
وفي حديث إلى «الأخبار»، قال رئيس اللجنة المالية في مجلس محافظة البصرة، أحمد السليطي، إن «الفساد المالي والإداري المنتشرين في البلاد، أدّيا إلى تدهور الحالة الاقتصادية في المحافظات الجنوبية، إضافة إلى عدم وجود استراتيجية واضحة للدولة لإنقاذ الاقتصاد»، مشيراً إلى أن «الحكومة العراقية خصصت (أموالاً)... لتطوير البنى التحتية وبناء مشاريع عمرانية، ولكن الغريب أن الحكومة لا تستطيع تنفيذ هذه المشاريع، إذ من أين تأتي بهذه الأموال في ظل أن 90% من الميزانية المالية هي تشغيلية تصرف على الرواتب بينما 10% هي استثمارية».
وأضاف أن المحافظات الجنوبية تعاني من «العشوائيات» التي يوجد فيها الآلاف من الأشخاص وأصبحت تشكل «عبئاً على الخدمات والبنى التحتية... وهي بحاجة إلى أموال طائلة جداً». وأكد أن «المحافظات الجنوبية، وبالتحديد البصرة، تعطي الأموال ولا تأخذ، وهذا ما سبب مشاكل كبيرة في الحالة الاقتصادية».
وأشار السليطي إلى أن «محافظة البصرة تطلب من الحكومة 1700 مليار دينار للمشاريع الاقتصادية ولكنها ترفض إعادتها، إضافة إلى أموال مشروع البترودولار حيث قرر مجلس الوزراء إطلاق دفعتين من الأموال والتي تبلغ أقل من 800 مليار دينار، وهذا المبلغ لا يكفي لسد النقص الاقتصادي في المحافظة». ولفت إلى أن العراق «معتمد على محافظة البصرة حيث ينتج أكثر من ثلاثة ملايين برميل... لكنها لا تحصل من هذا النفط سوى على الأمراض السرطانية والتلوث».
من جهته، قال المستشار الاقتصادي لمحافظات الجنوب، عبدالهادي رشغ، لـ«الأخبار»، إن «أغلب المحافظين السابقين لمحافظات الجنوب عملوا بصورة عشوائية وركزوا على الكسب السياسي على حساب المواطن، حيث إن هناك مشاريع يعاد العمل بها ثلاث أو أربع مرات، ما يمثّل هدراً للأموال، إضافة إلى أن مدة إنجاز المشاريع تختصر مثلاً من 15 سنة إلى سنتين، فلا تنجز بصورة صحيحة وتحتوي على عيوب كثيرة».
وأكد أن المشكلة الاقتصادية في المحافظات الجنوبية «معقدة جداً لأنه لا توجد عملية تكافؤ في توزيع الموارد واستثمارها». وشرح أنه «لذلك نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة تعتمد التنوع الاقتصادي وتشجع القطاعين الصناعي والزراعي للنهوض بواقعهما المزري، ووضع حزمة من الإجراءات والقوانين التي يمكن من خلالها حماية الاقتصاد الوطني». ورأى أن «الحكومات المحلية تتحمل هذا الخلل الاقتصادي لأنها تعطي المشاريع إلى شركات متلكئة ولا توجد ضوابط كي تحاسبها أو متابعة للمشاريع ومراقبتها».
بدوره، قال الخبير الاقتصادي علي الربيعي لـ «الأخبار» إن «الخلافات بين الأحزاب السياسية التي تحكم المحافظات الجنوبية ساهمت في الخراب الاقتصادي الذي تعاني منه حالياً، لأن المشاريع تمنح لجهات سياسية وليس لشركات رصينة، وهناك المئات من المشاريع الوهمية بملايين الدولارات ذهبت إلى جيوب السياسيين»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «موانئ البصرة تسيطر عليها أحزاب سياسية وفيها فساد مالي كبير جداً».
وأكد الربيعي في حديثه أن «الشركات الأجنبية التي تريد العمل في المحافظات الجنوبية تساوم من أجل الحصول على حصة من مبلغ العقد، فيما ترفض الشركات الرصينة هذا الأمر وتقرر المغادرة».