النفط عند أدنى مستوى خلال ستة أعوام، حيث هوى إلى ما دون 45 دولاراً في بداية هذا الأسبوع... ليس بالضرورة أن يكون الخبر كارثياً أو حدثاً استثنائياً للعولمة، نظراً إلى ضيق المسافة الزمنية التي تتم على أساسها المقارنة، ونظراً إلى أن النفط كان قد هوى إلى حدود 35 دولاراً في عام 2008.


ولكن لدى البحث في المعطيات السائدة في السوق حالياً، يتضح أن ما يحصل هو عبارة عن حرب نفطية بامتياز بين بلدان الخليج العربي تحديداً ومنظمة الدول المصدرة للنفط عموماً التي تُعدّ اللاعب التقليدي في هذا المجال، وبين الولايات المتحدة التي هزّت السوق واقتصاديات النفط برمتها عبر إنتاجها الصخري.
لا أحد يُمكنه توقع ما ستسفر عنه المواجهة التي أضحت مكشوفة، نتيجة للتصريحات الخليجية الأخيرة. متى ستعود الأسعار إلى الارتفاع؟ أي مستوى ستبلغه في سقوطها الحر؟ أسئلة تبقى صعبة حتى الآن. ولتسهيل البحث حولها لا بدّ من تحديد اللاعبين الأساسيين الذين يؤثرون فيها.
أوّلاً هناك الولايات المتحدة، التي تُعدّ المستهلك الأول للنفط، وقريباً المنتج الأول له. فقد تمكن هذا البلد من توظيف التكنولوجيا الحديثة، عبر برامج مدعومة نفذتها شركات عملاقة مثل Halliburton وSchlumburger، للوصول إلى النفط الصخري الصعب. تتحدث التقارير عن كميات هائلة تخرج من الأراضي الأميركية، وتشهد تكساس على هذا الوفر. فبعدما كانت الولاية العملاقة مسؤولة عن إنتاج ربع النفط الأميركي، ارتفعت حصتها إلى 40% في العام الماضي. والقضية لا تتعلق باقتصاد الولاية وحده بل بسياسة واشنطن، إذ يبدو أن أميركا تحقق الكثير من الأهداف عبر النفط الرخيص: مضايقة روسيا، منافسة السعودية ورفاقها في الخليج، إضافة إلى إنعاش اقتصادها الذي يعود إلى تألقه العالمي في هذه الآونة.

مهما تكن نتيجة الحرب القائمة، فالأكيد أن للنفط الرخيص فوائد جمّة على الاقتصاد العالمي

صحيح أن نشاط شركات أميركية كثيرة سيصبح غير مجدٍ عند أسعار النفط المنخفضة، إلا أن شركات أخرى تصمد في السوق بسبب حجمها وفرص الانقضاض على الشركات المتعثرة. ووفقاً لتقديرات حديثة من المصرف الاستثماري «غولدمان ساكس»، فإن إنتاج النفط الصخري الأميركي لن يفقد جدواه الاقتصادية إلا عندما يهوي سعر برميل النفط إلى 40 دولاراً لفترة 6 أشهر متتالية.
الأهم في تقويم وضع أميركا النفطي حالياً ـ في الولايات المتّحدة وكندا على حد سواء ـ هو أن التكنولوجيا أضحت لاعبة أساسية في الميدان، وهي باقية وستتطور ليُصبح معها استخراج النفط أسهل مع مرور السنين، وربما يكون العالم قد دخل في طور النفط الرخيص إلى أن يُحقن الاقتصاد العالمي بدواء عجيب يضاعف شهيته على الطاقة. هذا الأمر «لا يعني أن أسعار النفط ستنعتق من دورتها التقليدية (الصعود والهبوط)، بل يعني أن أكلاف استخراجه والكميات المجدية اقتصادياً لن تكون في المستقبل كما عهدها العالم» يقول المحلل المالي في مجلة «فورين بوليسي» بيل غراينر.
ثانياً هناك البلدان الخليجية التي تقودها السعودية. عمد هذا الفريق الذي يُحدد مسار مجموعة الدول المصدرة للنفط «أوبك» إلى احتواء الفورة النفطية الأميركية عبر زيادة الإنتاج، وتقديم النفط الرخيص لمختلف الأقاليم، في منافسة واضحة للجهود الأميركية، ولكن أيضاً في سعي إلى كسر النهضة النفطية الآتية من الغرب. وكانت التصريحات السعودية، العلنية والمسربة، خير دليل على أن ما يحدث في السوق هو حرب معلنة لكسر الآخر. وإذا تمكنت تلك البلدان من احتواء تدهور الأسعار على وضعيتها المالية لفترة مستدامة، تكون قد عززت مواقفها التفاوضية مع الغرب من جهة ومع روسيا من جهة أخرى.
وجاء كلام وزير النفط الإماراتي، سهيل بن محمد المزروعي، أخيراً ليؤكد الموقف الخليجي الثابت: «أعتقد أن الاستراتيجية لن تتغير. الهدوء والاستقرار في الإنتاج اللذين نحافظ عليهما في أوبك، هما رسالة للأسواق ولباقي المنتجين بأنّ عليهم أن يكونوا منطقيين. عليهم أن يكونوا مثل أوبك».
الكلام موجه بطبيعة الحال للولايات المتحدة. وقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» كلاماً أكثر صراحة عن الوزير الخليجي: «السوق لن تستقر إلا عندما تُصبح الأسعار منخفضة كفاية ليُصبح عندها النفط الصخري غير مجد؛ ولم نصل بعد إلى هذا المستوى».
كلام وصفته الصحيفة بأنه «التحدّي المكشوف الأبرز لمنتجي النفط الصخري في الولايات المتّحدة».
يُمكن بلدان كثيرة مجاراة هذا التحدي، غير أن بلداناً أخرى تئن من استمراره، وقد تنهار فعلاً قبل أن يحل «الاستقرار» الذي يتحدث عنه الخليجيون، أي بكلام آخر تركيع الأميركيين.
وهنا ننتقل إلى المجموعة الثالثة، وهي البلدان التي تعتمد على نحو شبه كلي على عائدات النفط، وفي الوقت نفسه لا تتمتع بهامش المناورة المالي أو يفرض عليها النظام المالي العالمي عقوبات تقيّد حركتها المالية بدون نفط ثمين. على رأس اللائحة هنا تبرز روسيا التي تسعى إلى تعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية لاحتواء هذه الأزمة النفطية عبر الاستثمارات وأنابيب الغاز التي يُخطط لإمدادها صوب الشرق وصوب الغرب أيضاً.
إلى جانب موسكو هناك إيران التي يتغذى شريانها الاقتصادي من الوقود الأحفوري. وقد عبّرت الجمهورية الإسلامية أخيراً، عبر المرشد الأعلى علي خامنئي، عن انزعاجها القوي من التدهور الذي تسجله الأسعار، وهدّد بالرد على الحرب التي يشنّها المنتجون الآخرون.
كلامه جاء في حضرة زعيم نفطي آخر، هو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي يسعى بدوره إلى إنعاش اقتصاده المرتهن كلياً للنفط. وقد توصل خلال جولته الدولية الأخيرة إلى اتفاقات مع قطر والصين في هذا الإطار.
ولكن جميع هذه الإجراءات تبدو كردود فعل على الحرب النفطية القائمة. فالميزانيات النفطية تبقى الأساس في سير جميع البلدان المرتهنة للبترول.
اليوم هناك فاعلون في السوق، هم الخليجيون والأميركيون، وربما الروس إذا ارتاحوا عبر مشاريعهم الاستثمارية، وهناك أيضاً اللاعبون العرضيون الذين سيتأقلمون مع ما تفرزه المواجهة.
مهما تكن نتيجة الحرب القائمة، فالأكيد هو أن للنفط الرخيص فوائد جمة على الاقتصاد العالمي؛ فالبترول الرخيص يوفّر للمستهلك هامشاً إضافياً للإنفاق، إما على مزيد من البترول ومشتقاته أو في المجالات الأخرى.
بحسب دراسة نشرها أخيراً مركز الأبحاث الذي يديره الاقتصادي إيد يارديني، فإن تراجع سعر برميل النفط إلى 50 دولاراً يُعزّز ناتج الاقتصادات المتقدمة، أي الولايات المتّحدة واليابان وأوروبا، بأكثر من 915 مليار دولار، كما يُسهم بـ990 مليار دولار لمصلحة الاقتصادات الناشئة.
هناك إذاً أرباح وخسائر في معادلة النفط الرخيص (ودعونا لا ننسى أن منها ما هو كارثي على البيئة)، فيما الخاسر الأول هو البلدان التي تعتمد كلياً على النفط وتستخدم مخزوناتها في حرب تعدّها وجودية.