باتت الدولة العراقية محاصرة من جوانب عدة لا يختصرها، فقط، المشهدان الأمني والعسكري ــ على خطورتهما. فالدولة العربية المحورية التي شكلت مواردها من الطاقة أحد مطامع «الغزاة» قبل أكثر من عقد، تسقط اليوم ضحية سياسات اقتصادية رجّحت، إلى درجة تبدو قاتلة، الاعتماد الضخم على إيرادات الطاقة، النفطية بشكل خاص.

وعادت قضية الاعتماد على الإيرادات النفطية لتطرح بشكل جدي راهناً على خلفية أمرين مترابطين: التدهور الكبير الحاصل في أسعار النفط عالمياً التي هبطت بنحو 60 في المئة منذ منتصف العام الماضي (لامس سعر البرميل 45 دولاراً أميركياً)، في وقت يدرس فيه البرلمان العراقي مشروع قانون الموازنة الاتحادية للسنة المالية 2015، والذي اعتمدت فيه الحكومة سعر 60 دولاراً للبرميل، مع تقدير لحجم تصدير «بمعدل 3.3 ملايين برميل يومياً» (صادرات الجنوب وكردستان الناتجة من الاتفاق المرحلي الموقّع قبل أسابيع)، بحسب تقرير لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية الصادر في السابع من الشهر الحالي.

ويتضح حجم الإشكالية حين تشير التقديرات إلى أنّ العراق يعتمد على الإيرادات النفطية لتمويل موازنته بنسبة قد تلامس 90 في المئة.
وفي تقريرها الأخير، تصف «لجنة الاقتصاد والاستثمار» تقدير سعر برميل النفط المعتمد (60 دولاراً) بـ«التفاؤلي»، مؤكدة في الوقت ذاته أنه «ما زالت العوائد النفطية تتمتع بصفاتها في موازنة 2015 كونها الركيزة الأساسية لتمويل الموازنة، حيث توضح أرقام الموازنة أنها تساهم بما نسبته 67,3% في تمويل حجم الانفاق الذي أقرّته الموازنة، وأنها تشكل 85% من هيكل مكونات إيرادات الموازنة».
ومن المؤكد اليوم أن أحد الأسباب الرئيسة ــ إن لم يكن الرئيسي ــ التي أوجبت التأخر في إقرار الموازنة من قبل البرلمان يكمن في التساؤلات بشأن كيفية تمكّن الحكومة من تمويل موازنتها في ظل تدهور أسعار النفط عالمياً. ويعاني العراق من أوضاع اقتصادية صعبة، رغم أنه يملك ثالث احتياطي من النفط في العالم.
وكان بيان صادر عن رئاسة الوزراء العراقية قد أكد، في نهاية الشهر الماضي، الموافقة على مشروع قانون الموازنة وإحالته على مجلس النواب، بقيمة 123 تريليون دينار عراقي (102,5 مليار دولار أميركي بسعر الصرف في السوق الحرة في حينه)، وبعجز يناهز 19 في المئة. لكن التحديات التي فرضها تراجع أسعار النفط دفعت بوزير الدولة لشؤون البرلمان، أحمد الجبوري، إلى الإعلان، يوم الأحد الماضي، أن هناك تخفيضاً ستلحظه الموازنة، ليقلصها من 123 تريليون دينار إلى أقل من 100 تريليون دينار. بدوره، قال عضو اللجنة المالية البرلمانية، علي الصجري، إن «الوقت لا يسمح للبرلمان بإعادة مشروع قانون الموازنة إلى الحكومة»، مشيراً إلى أن اللجنة قررت «تخفيض موازنات جميع الوزارات الحكومية بنسب متساوية (نحو 30%) دون المساس بالموازنات التشغيلية التي تشمل رواتب الموظفين».
ويعزز من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في العراق واقع أن احتياطاته الدولية انخفضت من «77 مليار دولار في نهاية 2013 إلى نحو 67 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني الماضي»، وفقاً لتقرير نشره قبل أيام رئيس دائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، مسعود أحمد. ويشرح أحمد أن السبب في ذلك يعود إلى «اقتران انخفاض الإيرادات النفطية بمستوى الواردات المرتفع نسبياً، ولا سيما الواردات الحكومية»، موضحاً في الوقت ذاته نقطة مهمة، وهي أنه «لا تدخل في هذه التقديرات أرصدة صندوق تنمية العراق الذي أنشئ في الأساس في عام 2003 لإيداع إيرادات النفط العراقي وتوفير هامش وقائي للمالية العامة». ويشير المسؤول الدولي إلى أن رصيد «صندوق التنمية» (وهو فعلياً نوع من الوصاية الأميركية على الدولة العراقية) كان قد انخفض إلى 6.5 مليارات دولار في نهاية عام 2013، ثم انخفض مجدداً إلى نحو 4 مليارات دولار في تشرين الثاني الماضي.
إذاً، يتجه العراق اليوم إلى تحقيق عجز كبير في المالية العامة، ومن غير المعروف قيمة ما يسمّى بـ«الأسعار المحققة لتعادل المالية العامة»، ما سيفاقم من تردي الأوضاع الاقتصادية وما قد يترجم، في أحد الجوانب، بطرح مقايضات وابتزازات سياسية لا بد أن تقدم عليها القوى الإقليمية (والدولية) في وجه حكومة حيدر العبادي. وكان وزير النفط العراقي، عادل عبد المهدي، قد رأى، أول من أمس، أن بعض الدول الإقليمية تقف وراء أزمة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية.
في التداعيات الداخلية، فإنّ السؤال الرئيسي المطروح اليوم يتمحور حول كيفية تأمين التمويل اللازم لوزارة الدفاع العراقية التي تشارك قواتها في أعتى المعارك العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي ظل عدم إمكانية الاطلاع على مشروع قانون الموازنة، تشير محاضر الجلسات البرلمانية إلى أن نسبة 23% خصصت لوزارة الدفاع، من دون التأكد (بشكل رسمي) إن كانت تلك المبالغ ستشمل تمويل إنشاء «قوات الحرس الوطني» أو لا. كل ذلك يقع في وقت يتأكد فيه أن الدعم الأميركي ــ الخليجي لحكومة العبادي انتقائي بطبيعته في الحرب المفروضة على العراق والعراقيين.