القاهرة | متذرّعة بأنّ «الإقبال على القطن في السوق الدولية أقل من العقود الماضية، وأنّ المصانع لم تعد تقبل على شرائه نظراً لارتفاع سعره»، أصدرت الحكومة المصريّة قرارها بتحرير زراعة القطن، ورفع الدعم الحكومي عن هذه الزراعة، بعدما بلغت كلفتها، الموسم الماضي، 550 مليون دولار، وفق تصريحات وزير الزراعة.


الانهيار لم يكن مفاجئاً، فالمحصول الذي دخل في الاحتضار منذ ثمانينيات القرن الماضي كتبت له حكومة المهندس إبراهيم محلب شهادة وفاته رسمياً، بعد مطالبتها المزارعين بالتأكّد من وجود تعاقد قبل زراعته، وفي حال غياب التعاقد نصحتهم بألا يزرعوه حتى لا يقع المزارع فريسة للتجار، كما حدث العام الماضي. وأشارت الحكومة إلى أنّ الزراعة حرّة في مصر منذ عام 1992، وتحكمها آليات السوق، والعرض والطلب.
المحروسة، تاريخياً، ارتبطت بزراعة القطن، الذي كانت صادراته أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، وخاصة بعد تحوّله إلى سلعة زراعية ضرورية لمصانع الغزل والنسيج في إنكلترا خلال زمن الاحتلال الإنكليزي، يقول مدير مركز أولاد الأرض لحقوق الإنسان، عادل وليم. ويضيف: «في 1816، أصدر الوالي محمد علي باشا فرماناً يقضي باحتكار الوالي لعدد من المحاصيل والغلال المزروعة، وشمل الفرمان محصول القطن والكتان والسمسم وغيرها».
ويستطرد وليم: «عقب ثورة 1952، استمر فرمان محمد علي في السريان، وظلت الدولة تحتكر محصول القطن بشرائه من الفلاحين، وإعادة بيعه بسعر توريد يتغيّر سنوياً، وفقاً للإنتاجية والجودة والأسعار العالمية للقطن». هذا الوضع انتهى في السنوات الأخيرة، إذ أفسحت الحكومة المجال لشركات القطاع الخاص لشراء القطن وتوريده للحكومة ومصانع الغزل، العامّة والخاصة، من أجل تحقيق أكبر ربح ممكن.
لم يقف الأمر عند هذا الحد. فقد شهدت مصر، في السنوات الماضية، أكبر مذبحة للأرض الزراعية الطينية التي أقيمت عليها المشروعات الاستثمارية، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنّ مصر خسرت، في السنوات الثلاثين الماضية، أكثر من مليون فدان تحوّلت إلى مبانٍ. وكان العدوان على الأرض الزراعية أوّل عدوان على محصول القطن. فانتهز أصحاب المصالح الفرصة، وانقضّوا على مساحات كبيرة من الأراضي، في المحالج داخل جميع المحافظات، ليجري بيع محالج القطن في صفقات سريعة.
يلفت الباحث في المجال الزراعي، عبد المولى إسماعيل، إلى أنّ المساحة المزروعة من القطن تقزّمت إلى 2% من إجمالي المساحة الزراعية عام 2010، بعدما كانت 21% في الخمسينيات، إذ هرب الفلاحون إلى زراعة الخضروات والمحاصيل الأخرى، بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات، وندرة الأيدي العاملة، وارتفاع إيجارات الأراضي التي تجاوزت مبلغ 3000 جنيه (1 دولار = 7.15 جنيهات) للفدان الواحد، بعد تحرير العقود الإيجارية بين الملاك والفلاحين.
هذا المشهد الماسأوي، يقول إسماعيل، أدّى إلى حرق الفلاحين، العام الماضي، محاصيلهم، بعدما حددت آليات السوق سعر توريد لم يتخط 940 جنيهاً للقنطار، وهو أقلّ بكثير من تكلفة زراعته. وهكذا، «بدلاً من تصديرنا للقطن، أصبحنا مستوردين، بل صرنا نستورد المنسوجات من الصين والهند وباكستان، كما يغزو القطن الإسرائيلي الأسواق المصرية».
في ردود الفعل، رأى المركز العربي للبحوث والدراسات أن انسحاب الحكومة من تسويق القطن، الموسم المقبل، «ردّة عن تحقيق العدالة الاجتماعية، وانتكاسة جديدة للاقتصاد المصرّي»، لافتاً إلى أنّ رفع الدّعم سيؤثر سلبياً في إقبال الفلاح على زراعة القطن، وسيؤدي إلى انخفاض المساحة المزروعة منه، إذ لم تزد على 340 ألف فدان ما بين 2011 – 2012.
ويقول مدير المركز، مجدي عبد الفتاح،إنّ رفع الدعم سيساهم في ارتفاع أسعار السلع الغذائية، إذ يمثّل زيت القطن جزءًا كبيراً من صناعتها. وأوضح عبد الفتاح أنّ صناعة النسيج تعاني نقص احتياجاتها من القطن، «قصير وطويل التيلة»، ما يجعلها تعتمد على القطن المستورد، لأنه الأرخص. ولمح، في الوقت نفسه، إلى أن الخزانة الأميركية تدعم منتجي القطن بمبلغ 12 مليار دولار سنوياً، لتحافظ على أسواقها الخارجية وصناعتها المحلية.
كذلك يبدي عضو مجلس إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج، مجدي طلبة، دهشته من قرار الحكومة المفاجئ، مشيراً إلى أنّه عرضت مشكلات قطاع الغزل والنسيج منذ أسبوعين في مؤتمر النقابة العامة للغزل والنسيج، وترتب عليه صدور قرار من رئيس الوزراء بتشكيل لجنة من الوزراء المعنيين والخبراء، للنهوض بهذه الصناعة. ويقل إن بداية المشكلات التي جرى عرضها، كانت النهوض بمنظومة القطن، «ثمّ تطوير الصناعة في مصر ومقارنتها بالصناعة العالمية، مشددا، طلبة، على أن ذلك مشروع استراتيجي، «لأن القطن يستوعب عمالةً من المزارعين وعمّال الغزل والنسيج والنقل، تصل إلى 8 ملايين عامل، أي ما يمثل 40% من قوّة العمل في مصر».
وبنبرة غاضبة، اتهم القيادي العمالي في شركة المحلة للغزل والنسيج، كمال الفيومي، الحكومة الحالية بأنها تنتهج سياسات نظام (حسني) مبارك، مؤكدا أنّه عُقد اجتماع مع محلب، بعد توليه المنصب بشهرين، وتقدّم ممثلو العمّال إليه بطلب للنهوض بصناعة الغزل والنسيج، عبر زراعة مليون فدان قطن، وتجريم تصدير القطن الخام ودعم الفلاحين... «لكن لا حياة لمن تنادي».
وبعد أقل من أسبوع من قرار رفع الدعم الحكومي، أضرب نحو 20 ألف عامل في شركة غزل المحلة عن العمل، يوم أمس، للمطالبة بصرف مستحقات مالية متأخرة، وتوفير دعم حقيقي لمزارعي القطن كي تشغل مصانع الغزل والنسيج المتوقفة عن العمل، ورأى العمال أن هذه القرارات تشير إلى انحياز الحكومة لمصالح كبار المستوردين ورجال الأعمال.