منذ تعيينه في تموز الماضي، لم يستطع ستيفان دي ميستورا أن يكون محطّ ثقة الأطراف السورية المتنازعة. قبل أن يزور المنطقة، ضجّت أروقة الأمم المتحدة في رفض الموفد الدولي الجديد إلى سوريا الانتقال سريعاً إلى جنيف. الرجل فضّل البقاء في بروكسل «لدواع عائلية».

في زيارته دمشق والمنطقة في أيلول الماضي، قدّم خطة «تجميد القتال في حلب»، ثمّ زار مساعده رمزي عز الدين دمشق ليتابع عمل رئيسه.
دي ميستورا عاد وقدّم هذه الخطة في مجلس الأمن الدولي، حيث تضمنت تجميد القتال في بعض المناطق للسماح بنقل المساعدات والتمهيد لمفاوضات. «لا أملك خطة سلام بل خطة تحرك للتخفيف من معاناة السكان»، قال يومها، معتبراً أن مدينة حلب مرشحة لتجميد النزاع فيها.
لم تبصر المبادرة الأممية النور، حتى إنّها ظلّت «مشروع مبادرة». جبهات القتال في العاصمة الاقتصادية للبلاد وفي ريفها القريب تمنع الحديث عن أيّ «تجميد».

الجيش السوري وحلفاؤه يسارعان لتطويق كامل المدينة وعزلها عن ريفها المفتوح على الحدود التركية ومناطق «داعش»، فيما تستميت المعارضة المسلحة لكسر هذا الطوق، وفتح جبهات قريبة، كمحاولة «جبهة النصرة» الأخيرة الدخول إلى بلدتي نبّل والزهراء في ريف المدينة الشمالي.
المصادر التي تعمل على خط التواصل بين المبعوث الأممي والقيادة السورية تؤكد أن التواصل بين الطرفين لا يزال قائماً، وأن دمشق تنتظر توضيحات طلبتها لبعض نقاط «خطة تجميد القتال في حلب» التي اقترحها دي ميستورا. وتلفت المصادر إلى أنّ هذه التوضيحات سيحملها إلى العاصمة السورية مساعد دي ميستورا (رمزي عزالدين). لكن مصادر أخرى على صلة بالقيادة السورية وبدي ميستورا تؤكد أن دمشق فقدت ثقتها بالرجل. فهي وإن كانت تتعامل مع أي مبعوث أممي كمبعوث أميركي ــ فرنسي، إلا أنها أرادت منح فرصة للدبلوماسي السويدي، وخاصة في ظل تمنيات من الحليف الروسي بسحب الذرائع من أمام الغرب لاتهام دمشق بتعطيل أي مشروع للحل السياسي. وتؤكد المصادر أن ثقة القيادة السورية اهتزت سريعاً بالمبعوث الاممي الذي بدا كمن يتحايل على دمشق لانتزاع موافقة منها على خطة مبهمة، يُراد منها تطبيق إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري، وتحديداً في الريف الممتد من مدينة حلب إلى الحدود التركية. فبحسب المصادر، عندما اقترح دي ميستورا «خطة تجميد القتال في حلب»، وافقت دمشق على مبدأ تجميد القتال داخل مدينة حلب، طالبة عدة توضيحات، أبرزها موقف الدول الداعمة للمسلحين وتعهدها بوقف إمدادهم بالسلاح والمال والتدريب. وطلبت منه الحصول على تعهّد من هذه الدول بوقف إرسال السلاح والمقاتلين والمال إلى المناطق التي يجري تجميد القتال فيها، لافتة إلى وجوب ألا يؤدي تجميد القتال إلى تقسيم مدينة حلب بحكم الأمر الواقع، عبر اقتراح بقاء المسلحين في مواقعهم. وأكدت دمشق أنها تقبل أي خطة من شأنها تجميد القتال لسحب المسلحين من المدينة، وإعادتها في النهاية إلى كنف الدولة السورية. لكن المفاجأة أتت من دي ميستورا الذي أسمع المسؤولين السوريين ما يريدون سماعه، ثم توجه إلى تركيا وأوروبا، حيث أسمع المسؤولين الأتراك والغربيين ما يريدونه أيضاً. وسّع خطته لتشمل ريف حلب مع المدينة، طالباً ضمانات بتجميد القتال وفق خطوط التماس القائمة حالياً، مع السماح لـ«طرفي النزاع» بإجراء تبديل دوري لقوات كل منهما في مواقعها، وبإدخال المؤن والإمدادات بحرية. وترى المصادر أن هذا الاقتراح يعني عملياً القبول بالتقسيم، وبالاعتراف بسلطة المجموعات المسلحة المعارضة على منطقة شاسعة من سوريا، متصلة بالحدود التركية، يتاح لهم فيها التدريب والتجهيز والانتقال إلى مناطق أخرى. كذلك فإن هذا الاقتراح يحمل في طيّاته أمراً خطيراً، بحسب المصادر ذاتها، لناحية تشريع وجود «جبهة النصرة» (تنظيم «القاعدة في بلاد الشام») في منطقة حلب، كونها رأس حربة التنظيمات المعارضة في حلب وريفها.
مصدر دبلوماسي عربي يصف طريقة تعامل دمشق مع دي ميستورا بالقول: «لن يقطع السوريون اليوم نهائياً مع الدبلوماسي الأممي. سيؤجلون اللقاءات ويطلبون لقاء مساعده، ثم قد يأتي هو ويذهب مرات عديدة... حينها تكون القصة انتهت وتغيّرت العوامل السياسية والميدانية لينسحب المبعوث الأممي من المشهد».
(الأخبار)